الكف والخمسة وخميسة


الكف والخمسة وخميسه

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

صار من الشائع والمألوف اليوم أن ترى تلك التميمة التي على شكل كف وقد دبجت ببعض الآيات القرآنية والمعوذات، وهى تصنع من خامات مختلفة مثل الذهب والفضة والنحاس والجلد المبطن بنشارة الخشب، وأحيانا على هيئة وحدة من الخزف تفوق في حجمها حجم الكف بمراحل، وأحيانا تتدلى من مصحف صغير جدًا موضوع في كيس من البلاستيك، ونجد بجوار الكف نماذج بلاستيكية قرن من الفلفل وسمكة وقبقاب، وقد دون عليها اسم (السيد البدوي)، وتنتشر هذه الأخيرة حول الأضرحة وتعلق في السيارات ولا مانع أن تجد هذه التميمة تتدلى على جبين الدواب والخيل والبغال والحمير وعلى صدور الأطفال أيضا، وعلى أبواب البيوت والحوانيت.

(وإذا عرف الأحياء قوة التمائم، كانوا يتزينون بها ويصنعونها على هيئة حلى، مثال ذلك الخرطوش الملكي، ووجه أحد الآلهة داخل صدرية كبيرة (درع Argis) والأزهار، والأصداف المأخوذة من البحر الأحمر، ولاسيما السيدات. وكانت صورة الإله بس Bes والربة تاورت تعاويذ واقية قوية. ولم تستعمل العين أوجات والقلب، والجعران، وعمود الجد، وغيرها للأغراض الجنائزية فقط بل كانوا يشفون المريض بأن يضعوا حول رقبته عقدة من نبات البوص أو عقدًا مضفورًا من البصل، وأحيانًا يصفون له علاجًا أغلى نفقة، عبارة عن 40 خرزة عادية، منها سبع خرزات من الحجر الأخضر وسبع أخرى من الذهب وكانوا يستعملون سبعة خيوط من التيل لضمان رفاهية الطفل المولود قبل أوانه).()

وبالطبع هم كانوا يعالجون أنفسهم بالطرق السابقة والشفاء بيد الله وحده (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء: 80].
(كما كان للألوان دورها التأثيري السحري للتمائم فاللون الأخضر لتمائم الصحة والشباب، والأزرق لمنع الحسد وطرد الأرواح الشريرة لذا كان الكف الحارس (الخمسة وخميسة) وأوزات العين المقدسة تصنع من القيشاني الأزرق اللامع أو حجر الفيروز واللازوردي، واللون الأبيض للطهارة والخلاص، واللون الأسود لجلب الحظ والخير، وللأحمر لتمائم الشر.. ويقوى تأثير التمائم إذ احتفظت بقوة الصيغ السحرية التي يتلوها صانعها أو يلقن حاملها كيفية تلاوتها ).()

وأحدث تقليعة لهذا الكف عبارة عن ملصق ملون يتوسطه صورة الشيخ (متولي الشعراوي) مرسوم عليه الكف مدبج بالآيات القرآنية وبالإضافة إلى (عين)، وكعادة السذج و البسطاء دائمًا يتهافتون على مثل تلك الملصقات لنيل بركة الشيخ واعتزازًا وتخليدًا لذكراه وتمسحًا به!!

وكثير من تجار العاديات والتحف يسعون إلى تحليل رزقهم، وتزيين بضاعتهم كي تروج ولو على حساب الدين وإكرام كتاب الله، فنجد أن تجارة تلك التمائم صار لها متاجر مخصوصة في الأحياء الراقية والفنادق الفخمة، ومن يوردون تلك التمائم هم خريجي الكليات الفنية، حيث يعمل هؤلاء الفنانين عن غير قصد على إحياء التراث الدجلي والسحري فيما يسمى (الفن الشعبي والفلكلور) دون إدراك منهم لتلك الصلة، ففي ظنهم أنهم يقدمون [فن حلال(!)] في مقابل الرزق، وهم بجهلهم بأصول الشرع لا يعلمون أنهم بذلك يحيون تراثا وثنيا يتعارض مع الدين، لأن الكثير منهم يفرون من حرمة التصوير إلى ما في ظنهم أنه فن إسلامي والإسلام منه براء، وكان الجدير بهم ابتكار فنون وطرز إسلامية مستحدثة تعبر عنهم وتمثل عصرهم بدون تقليد أعمى واجترار للماضي بما يحتويه من تناقضات، وإن الفنان المسلم ليمتلئ صدره بالقيم الجمالية التي يفتقدها غيره من العابثين بالفن وبقيمه الجمالية، وما يؤكد قولي ويعضده ذلك التراث الفني الذي خلفه لنا الفنان المسلم إبان حقب النهضة الإسلامية، بما يحمله من رقة وانسيابية في غلالة من الشفافية الممزوجة بروح البساطة الإسلامية الراقية.

فلقد درج الناس عندما ينحرون الذبائح، خاصة ما يقدم اتقاء لشر الجن ومن أجل إبطال السحر، وعلاج المس كما يطلقون عليها [مصالحة مع الجن]، أن يغمسوا أياديهم في الدماء، ثم يختمون بأيديهم علن الجدران والأبواب كعلامة يبقى أثرها لتدل على ذلك الذبح، وحتى يتعرف الجن على هذه العلامة التي تمت بمصالحه بين أصحاب البيت وعامريه من الجن، فيرجع عنهم ولا يتسلط عليهم بأذى، بل إن بعض الناس يقومون بذلك الفعل المشؤوم عند شراء سيارة جديد أو دار أو دكان وفى الافتتاح يقومون بما يسموه [تزفير] وهو الذبح على عتبة المكان أو أسفل السيارة، ثم الختم باليد المغموسة في الدماء على السيارة و البيوت أملا في رد كيد الحاسدين والعين والجن ولحل العكوسات، والحقيقة التي تخفى على هؤلاء أن الشيطان شغوف بالدماء فتجتمع الشياطين في المكان الذي يحمل هذه العلامة فيصير مسكنا لهم، لتنزع البركة من المكان.

(وارتبط أمر الكف والخمسة وخميسة بالوثنية والفلك والتنجيم من خلال (التقويم النيلي) ومنه انتقل ذلك الفكر الكهنوتي والتنجيمي إلينا. ومن مصر انتقل إلى أقطار عربية أخرى).()

(ومن الطرق التي كانت متبعة عند كهنة قدماء المصريين لمعرفة الطالع بواسطة تحديد وأطلقوا عليه نجم الإنسان بالنسبة للبرج الذي ينتمي إليه ما كان يطلق عليه (كف الطالع) أو (كف الوقاية) الذي يطلق عليه العامة حاليًا (خمسة وخميسة) كان يعلق على جبهة المولود أ وحول عنقه لحمايته من الحسد وطرد الأرواح الشريرة وقد وجدت كفوف منها ترجع إلى الأسرات القديمة وهى مصنوعة من الخزف الأزرق رسمت على أصابعها الخمسة رموز وطلاسم سحرية، وقد اكتشفت بترجمة إحداها أن الطلاسم ترمز إلى معبودات الزمن فالإصبع الأولى إله الساعة والثاني إله اليوم والثالث إله الشهر والرابع إله اليوم القمري والخامس إله السنة ويمز بطن الكف إلى البرج . . وهى الطلاسم السحرية التي كان يسجلها الكاهن على كف الحفظ أو لوحات التنبؤ التي تعلق فوق الصدر أو أحجبة الرعاية ليرجع إليها الكاهن عند قراءة الطالع أو التنبؤ بالمستقبل أو لوحات لتحديد الأيام السعيدة والأيام غير السعيدة خلال الشهر. فتلك الآلهة والمعبودات التي كانت ترسم على أصابع (الخمسة وخميسة) أو لوحات التنبؤ تعتبر بالنسبة للناس تعاويذ للحفظ وبالنسبة للكهنة مفتاحًا لقراءة الطالع ومعرفة الغيب).()

(وكانت السنة النيلية وفقا لذلك التقويم تتكون من اثنى عشر شهرًا بكل شهر ثلاثون يومًا، والسنة 360 يومًا، وقد لاحظ المصريون القدماء إن الفيضان يتخلف عن ميعاده خمسة أيام كل عام، وكان الفيضان لا يظهر إلا بعد أن يقدم كهنة معبد فيلة القديم القرابين والهدايا لإله النيل المقدس(. وقد ذكر المؤرخ سنيكا أن كهنة عين شمس كانوا أول من اكتشفوا أن بداية الفيضان تتفق مع إشراق نجم الشعرى أو (الشعرى اليمانية) الذي أطلقوا عليه اسم (سيدت Sothis) في معبد أون (معبد الشمس) مرة كل عام فاتخذوه بداية السنة الشمسية الشعرية وأنهم استفلوا معرفتهم بتلك الظاهرة الفلكية لإيهام الناس بأن النيل لا يفيض بخيراته إلا بعد أن يتقبل الإله دعواتهم ويحدد لهم ميعاد الفيضان ليعلنوه للناس، وقد قام كهنة معبد أون خلال الأسرة الثالثة بتصحيح السنة النيلية بإضافة خمسة أيام. وهى الأيام التي ولد فيها الآلهة الخمسة: (أوزوريس وإيزيس وست ونفتيس وحورس). وهكذا أصبحت السنة النيلية ابتداء من عام 2800ق.م، 365 يومًا، وقد نسب بعض المؤرخين ذلك التقويم إلى امحتب الحكيم ومهندس الملك زوسر. فأطلقوا على كل شهر من الأشهر الاثنى عشر اسم إله ومعبود أو مناسبة دينية، كما أطلقوا على أول كل شهر في ذلك التقويم الجديد اسم الإله تحوت (إله المعرفة) الذي أنزل عليهم ذلك التقويم الذي تشرف على دورته آلهة الفلك. ومازالت أسماء الشهور الفرعونية في التقويم النيلي تستعمل حتى الآن مع بعض التحريف في أسمائها وهو ما يطلق عليه بالنسبة القبطية التي تبدأ بشهر توت، وهو تحوت الفرعوني، كما أن الأيام الخمسة المنسية، أو أيام ال**هة الخمسة هي ما يطلق عليه في التقويم القبطي (بأيام النسيء).()

(فالخمسة رمز لكف التنجيم والطالع وحساب النجم والبرج من الأصابع الخمسة ودلالتها على (ساعة الميلاد) للإصبع البنصر، و(اليوم) الخنصر، و(الشهر) للإصبع الوسطى، (اليوم القمر) للإصبع السبابة، و(للسنة) للإصبع الإبهام. وأما الخميسة فرمز للآلهة الخمسة السابقة الذكر ويرمز لها بالإصبع الإبهام، بينما سائر الأشهر يرمز لها بعقل الأصابع الأخرى على توزيع الفصول والأشهر وتطور الفيضان تبعًا لخط أطراف الأصابع). ()

إذا فالخمسة وخميسة والكف رمز للتنجيم وقراءة الطالع بما يحتوية من التطير ورمز لدفع الأذى باليد، والخميسة هي تلك الخمسة **هة الوثنية، فلا يمكن للكف ولا الآلهة الفرعونية وأوثانهم أن تتنبأ بالغيب لتعلم المستقبل والماضي ولا يمكن لها أن تدفع عنا الشر أو تجلب لنا الخير، هذا ولا يزال مسلسل إحياء الوثنيات والسحر والدجل مستمرًا، ولازالت عقولنا تستجيب للخرافات وللشيطان وأعوانه من الإنس الذين يروجون للباطل، وعندما يتصدى القرآن لإثبات الحق وإبطال الباطل يخرج علينا ديايثة القرن العشرين بخستهم وفسقهم ليتنكروا للعلاج بالقرآن الكريم وكيف لا ينكرون العلاج بالقرآن الكريم وهم يتبرمون من الاعتراف بما أثبته القرآن من وجود الجن والسحر والمس، فمن الخطأ مناظرتهم على ذلك، ولكن المناظرة يجب أن تكون حول هل تؤمنون بما جاء في كتاب الله أم لا تؤمنون؟ فكيف نناظر على الفرع والأصل فيه غير مثبت عندهم؟!

نقلا عن مخطوط (عبادات بائدة وعادات سائدة) للكاتب: بهاء الدين شلبي

Advertisements

اترك ردا وانتظر الموافقة بنشره

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s