مشروعية العلاج والتطبيب الروحي



مشروعية العلاج والتطبيب الروحي

 

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

مشروعية الرقية بكتاب الله والدعاء:
ينكر البعض مشروعية العلاج بكتاب الله ويستنكرون ذلك بشدة، بل والبعض ينكر أن يكون هناك معالجون بكتاب الله والرد عليهم غزير ولا يحتاج إلى كثير جهد، ولكن سنختصر الرد عليهم، مثال ذلك ماذكره الأستاذ الدكتور محمد المسير قال: إن الرقية الشرعية لا علاقة لها بما يسمى الآن (العلاج بالقرآن)، فهذه بدعة يتولاها محترفون في النصب والاحتيال، يخدعون الناس عن دينهم وأعراضهم. فما مؤهلات شخص يتفرغ للعلاج القرآنى، وهو لايجيد تلاوته ولا يحفظ آياته، ويقعد عن طلب الرزق، ويتخذ عبادات خاصة، ويعطى للناس مواقيت، ويصطنع أشرطة وكتبا يجنى من ورائها ثروات طائلة، ويفترى الكذب حين يقول: إنه يخاطب الجن، ويتحكم فيهم ويأمرهم فيأتمرون، وقد يدعى أنه يحرق الجن وينسفهم في اليم نسفا، ثم هو يتحسس جسد المرأة ويسيطر على وعيها فتقع منها حركات هستيرية تتنافى مع الأدب وتخرج عن الحياء. إن الرقية الشرعية يتولاها المريض نفسه أو يؤديها عائدوه من أقربائه والصالحين من عباد الله، دون تخصيص لشخص بعينه، أو انتظار لموعد، أو ارتباط بسماع.( )

ولا خلاف حول شطط الذين أقحموا أنفسهم بتطفلهم واجترائهم على كتاب الله تعالى، ولكن لا نستطيع بحال تعميم الأحكام، لما قد ينتج عنه تقليص دور الصالحين من عباد الله الذين صاروا بالندرة التي لا تكافئ مصاب الأمة كمًا وكيفًا، مما يحتاج إلى بذل وقتهم وتكثيف جهدهم لسد الباب على الأدعياء والمدعين، لا أن نقطع السبيل على الدعاة المخلصين وأهل الذكر من المعالجين ذوى الخبرة في التعامل مع الجن والشياطين.

فما ورد في السنة من ذكر العلاج بكتاب الله فقد أخرج ابن حبان (1419) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها؛ فقال: (عالجيها بكتاب الله).( )

قال شيخنا الألبانى رحمه الله: وفى الحديث مشروعية الترقيه بكتاب الله تعالى، ونحوه مما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم من الرقى كما تقدم في الحديث عن الشفاء قالت: دخل علينا النبى صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة فقال لى: (ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟). وأما غير ذلك من الرقى فلا تشرع لاسيما ما كان منها مكتوبًا بالحروف المقطعة، والرموز المغلقة، التي ليس لها معنى سليم ظاهر، كما ترى أنواعًا كثيرة منها في الكتاب المسمى بـ (شمس المعارف الكبرى) ونحوه.( )

ولقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرقية، فعن عائشة رضى الله عنها قالت أمرنى النبى صلى الله عليه وسلم، أو أمر، أن يسترقى من العين)( )، قال الحافظ ابن حجر: أي يطلب الرقية ممن يعرف الرقى بسبب العين.( )

بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقى بنفسه فعن عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: (اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشفه وأنت الشافى. لا شفاء إلا شفاؤك. شفاء لايغادر سقما).( )

وعن عائشة رضى الله عنها (أن النبى صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه، في المرض الذي مات فيه، بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيده نفسه لبركتها).( )

عن ابن عباس أن نفرًا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم مروا بماء فيهم لديغ، أو سليم، فعرض لهم رجل عن أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ إن في الماء رجلاً لديغًا، أو سليما. فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ: فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا، حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله، آخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله).( )

من مجموع الأحاديث السابقة يؤخذ أن مسمى [العلاج بكتاب الله] ليس بدعة أحدثها الدجالون كما يحلو للبعض أن يقولوا، بل ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل على أنه ليس أمر محدث أو بدعه كما يدعى أعداء الدين، ويؤكده أن أُمَّنا المبرئة عائشة رضى الله عنها رقت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعوذات، مما يفيد أن لكلام الله عز وجل تأثير، يجريه الله فيبرأ المريض والسقيم بمشيئته تبارك وتعالى، كما يؤخذ من رقية النبى صلى الله عليه وسلم أن تكون الرقية بالدعاء بما ليس في القرآن ومالا يخالف الشرع، وإن كانت الرقية بما ورد في كتاب الله أعلى وأفضل أثرًا وتأثيرًا.

(وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند إجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته وباللسان العربى أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لاتؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى).( )

وعلاج المسحور له ينقسم إلى قسمين، القسم الأول إبطال أمر التكليف قال تعالى: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ)[يونس: 81]، والقسم الثانى التعامل مع خادم السحر الموكل بحراسة السحر أو تنفيذ أمر التكليف، وهنا بعد ابطال السحر تستخدم المعوذات والدعاء والرقية بما يتلائم مع الحالة باعتبارها صارت حالة مس.

قال الحافظ ابن حجر: قال ابن القيم: (من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والقراءة فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله معمورًا بذكره وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لايخل به كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له. قال: وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال، لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها. انتهى ملخصا. ويعكر عليه حديثه الباب وجواز السحر على النبى صلى الله عليه وسلم مع عظيم مقامه وصدق توجهه وملازمة ورده، ولكن يمكن الانفعال عن ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب، وأن ما وقع به النبى صلى الله عليه وسلم لبيان تجويز ذلك والله أعلم).( )

قال ابن القيم: النشرة حل السحر عن المسحور، وهى نوعان: أحدهما حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور. والثانى: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة فهذا جائز.( )

ويردد البعض بأن يباشر المريض العلاج والدعاء بنفسه عملا بالمثل القائل (ما حك جلدك مثل ظفرك)، ولاخلاف على صحة المبدأ، هذا بشرط إذا توفر للمريض الإخلاص المطلوب في الدعاء، والمطعم الحلال، والدراية بأصول التوحيد والدعاء وأدابه، فالدعاء (صنعة المسلم) فبه يستنزل رحمة الله، وبه يتكسب كل خير من الرزق والغيث والنصر والشفاء بإذن الله تعالى، وبه يستدفع كل شر وضر من مرض وفقر وقحط وبلاء، وقد لا يستجاب دعاء المريض لعلة ما فيحرم الإجابة، وهنا نطلب من يرقيه ممن هو مستجاب الدعاء، أو يحفظ أدعية سليمة عقائديًا، أو وفقه الله إلى صيغة دعاء طيبة لا تخالف الكتاب والسنة.

وإن كان علاج المس والسحر يختلف كثيرًا في أسلوبه عن علاج الأمراض العضوية، من حيث التعامل مع الجن والشياطين ذوى المكر والخبث بالأسباب الحسية المادية، فهم بحاجة إلى خبير على دراية بأساليبهم وحيلهم، ليضع الخطط والمكائد للإيقاع بهم بما يلائم كل حالة من الدعاء الذي يضاد أساليب الجن المختلفة، حيث أن التعامل مع الجن ليس بالأمر الهين كما يتخيل من لم يمارس العلاج ولم يتعرض للإصابة بالمس، فهو تعامل مع كائن خفى عاقل مفكر بحاجة إلى عقل واعى يتحرك ضده بما يتلائم مع صالح المريض، وهنا يأتي دور المعالج بكتاب الله، إلا أن أسلوب علاج المرض والمس يتشابهان من جهة الحاجة إلى القرآن الكريم والدعاء، والمس يتفرد بأنه بحاجة لمن حصل الخبرة المطلوبة للتعامل مع الجن.

اترك ردا وانتظر الموافقة بنشره

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s