الرجل الأسطورة


الرجل الأسطورة

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

رجل الخوارق أم تقديس؟
خلق الإنسان ضعيفًا بطبيعته، قال تعالى: (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 28]، فهو عبد عاجز، لا غنى له عن خالقه، يجبر كسره، ويقله من عثرته، ويلبي احتياجاته الدنيوية والأخروية، ومن هنا جاءت العبودية لله سبحانه وتعالى. ولأن العبودية جزء من تكوين شخصية الإنسان، فكان بحاجة ماسة إلى الدين القيم المشتمل على شرائع وشعائر العبادة، لتحديد منهج علاقة العبد بربه، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [الروم: 30]، أي أن الإنسان فطر وجبل على العبودية، فالتعبد أمر فطري غير مكتسب. وتتجلى هذه الفطرة إذا ما حلت بالإنسان النوازل، وأصابه العجز، فتجده يفزع إلى الدعاء ومناجاة ربه. وهذا ليس قاصر على الإنس وحدهم، بل يشمل الجن أيضًا، فالعبودية هي سبب خلق الجن والإنس، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]. ولم يكن للشيطان أن يقف مكتوفًا لا يحرك ساكنًا أمام هذه الفطرة دون أن يفسدها، فقد ولج من الثغور الخلفية للحيلولة بين العابد وبين العبودية، وليس بين العابد ومعبوده، فلا قدرة للشيطان على الحيلولة بين العبد وربه، قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: 42]. فقد يتسلط الشيطان على منهج العبودية بالتحريف والتبديل، كما أمكن له ذلك في الكتب السابقة، قال تعالى: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: 16]، ليزيغ الناس بذلك عن عبادة الله إلى عبادة غيره. فبالرغم من حفظ القرآن الكريم من أن تناله يد بالتحريف أو التبديل، فلم يتسلط الشيطان على الشرع المنزل، إلا أنه تسلط على من تأولوا النصوص الشرعية، فزين لهم لي عنق الأدلة حسب ميولهم وأهواءهم، فتفرقوا عن الصراط المستقيم فرقًا كثيرة، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة).( ) ولأن الشيطان يسعى دائمًا إلى الندية مع الله، فقد انحرف بالإنسان على خطوات بعيدًا عن الصراط المستقيم في اتجاهات متفرقة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) [النور: 21]. لذلك اضطر الشيطان لإيجاد بدائل للخوارق، حتى يدعم بها المناهج المحرفة، فكان السحر هو البديل، وذلك بمحاكاة المعجزات التي يجريها الشيطان على أيدي أولياءه، من رؤوس الكفر، وأساطين الضلال، فصاروا بهذا أشخاصًا أسطوريين، تارة أنبياء ورسل كذابين، وتارة أولياء دجالين، وكلهم سحرة متسترين بعباءة الدين، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) [محمد: 25]، فالشيطان وراء كل من ارتد عن دينه يسول ويملي له.

وعلى العكس من ذلك فقبل أن يغرر الناس بالرجل الطالح، زين لهم وأغراهم بالرجل الصالح، حتى وصل بهم الأمر إلى تقديسه وعبادته من دون الله، هذا لما أجرى الله على يديه بعض الخوارق، فنظروا إليه نظرتهم للرجل الأسطورة. فقد أجرى الله على يدي المسيح عيسى ابن مريم معجزات شتى؛ كالنفخ في الطين فيكون طيرًا، وإبراء المرضى، وإحياء الموتى، وإخبار الناس بما يأكلون وما يدخرون، قال تعالى: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 49]، ومن ثم نظر النصارى إلى عيسى نظرة غلو باعتباره رجل خارق، ومن ثم تطورت نظرتهم إليه فصارت نظرة تأليه، بل وتأليه أمه أيضًا عليهما السلام، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) [المائدة: 116]. إذًا فالرجل الأسطورة قد يكون رجل صالح أو طالح، بينما الاعتقاد فيه نسجه الناس من محض خيالهم، فاستغله الطالح، بينما ألصق بالصالح.

وقد نظر بني إسرائيل إلى موسى باعتباره رجل الخوارق والمعجزات، فقد كلمه الله وأنزل عليه الألواح، ونصره بالمعجزة على سحرة فرعون، وفلق له البحر، وأهلك عدوه غرقًا. فلما أيده الله تبارك وتعالى بالخوارق، ارتأوا قدرته على الإتيان بالنصر بلا تبعات من مشقة ونفير في سبيل الله، فاستغنوا به وبربه عن الجهاد، رغم ضمانات الغلبة التي قدمها لهم، والوعد بالنصر والظفر على عدوهم، قال تعالى: (قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [المائدة: 23، 24]، فقد ركنوا إلى قدرات الرجل الأسطورة، واستبدلوا التوكل على الله بالتواكل، وخلدوا إلى الراحة والدعة والسكينة.

وهذا هو موطن الداء الذي عم وطم اليوم، وهو داء مصاحب لظهور الرجال الأسطوريين في كل زمان ومكان، وهذا قد ذمه الله تعالى حيث قال: (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) [يونس: 7، 8]. ويخطئ الكثير من الناس إذ يظنوا أن وجود الرجل الأسطورة إلى جوارهم نعمة تبعث على التواكل، وترك الأخذ بالأسباب، وهذا قد يفضي بهم إلى الاغترار بالرجل الصالح، لذلك كان عقاب من يفعل ذلك وخيمًا، كما حل ببني إسرائيل أن قضى الله عليهم بالتيه أربعين سنة، قال تعالى: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) [المائدة: 26].

فما يظن رخاء ما هو إلا ابتلاء وفتنة، ومحنة يختبر الله بها عباده في التوكل والتواكل، لذلك بعث الله الرسل بالآيات والمعجزات إلى القرى نذرًا قبل حلول العذاب بها، قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) [القصص: 59]، إذًا فالآيات والمعجزات والكرامات ما هي إلا نذر تدعو إلى التدبر والعمل، وإلى عدم الاغترار بها، لأنها نذير بحلول الهلاك والعذاب في حالة التواكل، ونبذ التوكل، فالناس ينظرون إلى المعالج نظرتهم إلى الرجل الخارق، وينتظرون منه معجزة الشفاء،ولا يعلمون أن هذا سبب في زيادة بلاءهم.

فقد أنزل الله على بني إسرائيل المن والسلوى آية منه ومعجزة، قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [الأعراف: 160]، ولكنهم بطروا النعمة، بل وصل بهم الأمر إلى حد طلب استبدالها بالأدنى، قال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) [البقرة: 61].

وقد وصل بهم الحد إلى تأليه العزير، وهذا لما أماته الله مئة عام ثم بعثه، فكانت خارقة من الله له، قال تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 259]، فزعموا أنه ابن الله، كما زعمت النصارى بعد ذلك بأن المسيح ابن الله، قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [التوبة: 30]، وهذا دأب الكافرين من قبل؛ الشطط وتأليه كل صاحب خارقة ومعجزة، والنظر إليه باعتباره رجلاً خارق أسطوري، وكأن المعجزات تأتي من لدنه، وليس من لدن الله سبحانه وتعالى، لذلك قال تعالى في الآية السابقة: (ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) .

وفي ذلك يقول الإمام أبو زهرة: (وقد عقد صاحب كتاب (العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) موازنة بين أقوال الهنود في كرشنة، وأقوال المسيحيين في المسيح، فتقارب الاعتقادان حتى أوشكا أن يتطابقا، وإذا كانت البرهمية أسبق من النصرانية المحرفة، فقد علم إذن المشتق والمشتق منه، والأصل وما تفرع عنه، وعلى المسيحيين أن يبحثوا عن أصل دينهم). ()

وكذلك في قصة أصحاب الكهف؛ فقد أجرى الله عز وجل عليهم معجزة النوم سنين عددًا، ثم بعثهم في معجزة وآية منه، قال تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) [الكهف: 11: 13]، ورغم أنهم لم يجري الله على أيديهم أية خارقة، إلا أن الناس غالوا فيهم فبنوا على كهفهم مسجدًا، وما كانت بدعة بناء المساجد على قبور للصالحين، إلا بدعوى تقدسيهم وتأليههم من دون الله، قال تعالى: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) [الكهف: 21]، وبهذا صار أصحاب الكهف يعبدون من دون الله، فيدعون الله ويدعون معه هؤلاء الموتى من الصالحين، قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: 18].

الاستدراج وشراك الشيطان:

لقد قرن الله تبارك وتعالى بين الخوف والحزن في آيات كثيرة، وهما من أشد أدواء النفس فتكًا بالإنسان وتأثيرًا عليه، ثم جعل النجاة منهما في اتباع هديه قال تعالى: (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 38]. وبموالاته تبارك وتعالى، قال تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس: 62]. وبالإسلام له عز وجل، قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 112]. وبالاستقامة على منهجه وشرعه قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأحقاف: 13]. فمن حاد عن أسباب النجاة هذه وقع في شباك الخوف والحزن فهلك، ومن تمسك بها عصم نفسه من تأثير الخوف الحزن فنجا. وما حدث أن الناس فزعوا إلى الأسطوريين سواء من الجن أو الإنس، فاستعاذوا بهم للنجاة والتخلص من الحزن والخوف، قال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) [الجن: 6]. وبهذا غالى الناس في الرجل الأسطورة بغير وجه ونسوا الله فأنساهم أنفسهم، فعميت أبصارهم عن رؤية هؤلاء الخلق على حقيقتهم.

وإن الخوف والحزن هما من شراك الشيطان التي يحرص على الإيقاع بفرائسه فيها، سواء وقعوا فيها في الدنيا أو الآخرة وهي الاختيار الأولى والأجدر بتوصيل فريسته إليه، والوقوع في الخوف والحزن في الآخرة هما من وسائل سيطرة الشيطان واستحواذه على العباد، قال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 175]. فباتباعهم خطوات الشيطان تسلط على أجسادهم وعقولهم، واستفزز انفعالاتهم النفسية، فأصابهم بالحزن، فهيجهم بعضهم على بعض، قال تعالى: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [المجادلة: 10]، فالشيطان يوقع الناس في النجوى، ثم ينهض إلى المؤمنين يوسوس إليهم ليصيبهم بالحزن والاكتئاب، لكن توكلهم على الله يمنع وقوع هذا الضرر بهم.

أما مع المتواكلين فقد وجه ردود أفعالهم في اتجاه مصالحه، إلى أن صاروا ألعوبة طيعة بين يديه، قابلة للتشكيل، يحركها كيف يشاء، فأصابهم الشيطان بوابل من الأمراض النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب مرض العصر الخطير، فزعم الرجال الأسطوريون من الأطباء قدرتهم على علاج هذا الداء بالطب النفسي العلماني وبالعقاقير المهدئة، والسبب كما تبين علاجه ديني صرف.

فبدأ الشيطان يحشد جنده ليبث وحيه في التحريش بين الناس بالوسوسة في صدورهم، مثيرًا لمشاعر الحسد والبغضاء بينهم، عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم)، ( ) كما أدخل الحسد بين ابني آدم، حتى وقع في الإثم فقتل أخاه، ولم يكن ليقدم على ذلك إلا بوحي من الشيطان، فقد استفزه الشيطان وحرك انفعالات نفسه فنزع إلى الشر. فكانت هذه هي بداية خضم الصراع المتنامي بين البشر، حتى فزع كل منهم للنبش عن أسباب القوة والغلبة، والتي قام الشيطان بتوفيرها، ولكن بمقابل باهظ يفوقها ثمنها بكثير، فكان السحر والفوائق على أيدي رجال أسطوريين، قال تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ) [البقرة: 102]، فمن الناس من استعاذ بالله عز وجل فأمده بخوارقه فزادهم هدى، ومنهم من استعاذ بالشيطان فأمد بفوائقه فزادهم رهقًا.

فتدبرنا للقصص القرآني يعيبه تجاهل دور الشيطان في سياقها، وبهذا نخرج الشيطان من دائرة المسؤولية عن الفوائق التي تظهر على أيدي البعض، وكأن الإنسان فطر وجبل على المعصية، ولا دور للشيطان وراء هذا، فتنبه إلى أن صرفنا عن هذا التدبر هو من عمل الشيطان وأهدافه، حتى لا نقف على نقاط ضعفه. وهذا العبث هو من جراء التهوين من شأن تسلطه، وتجاهل التحصن من كيده بالعلم. فإذا كان كيد الشيطان ضعيفًا، قال تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء: 76]، فإن انحرافنا عن المنهج الصحيح يجعلنا في موقف أشد ضعفًا من الشيطان وكيده، قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: 42]، فتبعية الشيطان توقع المتبع تحت تسلطه، قال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ) [النور: 98: 100]، أي أن الاستعاذة من الشيطان تتجاوز مجرد ترديد ألفاظها، لتشمل الالتزام بمقتضياتها، بالتوكل على الله بالأخذ بأسباب رفع سلطانه، بالتبرؤ منه ومن موالاته، ومخالفة أمره ومعصيته، والرجوع عن اتباع خطواته، وإشراكه في عبادة الله. فكل ذلك مناط تسلطه علينا بفوائق تعجز عقولنا عن استيعابها، فتنسب جهلاً إلى الخوارق والمعجزات، فقبولنا الخاطئ لحقيقتها يضعنا تحت تسلطه.

إذًا فلا يقع الناس في عبادة الشيطان دفعة واحدة، ولكنهم ينحدرون في تتدرج على مراحل وخطوات مقبولة ومستساغة بما يوافق أهواء الناس، والتي لها الحظوة والتأثير الفعال في أنفسهم. فينتقل الشيطان بالإنسان تدريجيًا من طريق الإيمان، وإفراد الله بالعبودية، حتى يصل به ليس إلى مجرد الشرك فقط، ولكن إلى حد الكفر بالله تعالى والإلحاد، وبالتالي عبادة الشيطان من دون الله، قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) [يس: 60، 62]. وأول مسوغ يفضي إلى عبادة الشيطان هو الاعتقاد الوثني، وأقرب الأوثان تجسدًا هم البشر أنفسهم، فمشاهدة قدراتهم الفائقة، هو الأكثر قبولاً في أنفسهم المريضة.

الخداع وترويج الأكذوبة:

ولكي تروج الخدعة على السفهاء؛ بدأ بتزيين عبادة الأصلح منهم فالأصلح، ليسبغ على الضلالة صفة المشروعية في أنفسهم، حتى وصل بهم إلى عبادة شياطين الإنس. ثم انتقل بهم بعد ذلك في سلسلة من الضلالات من عبادة الجمادات كالأشجار والأحجار والجبال والأنهار، والسماء والكواكب، والأعضاء التناسلية، وعبادة الحيوانات والحشرات والأسماك، كعبادة العجل والحمير، وعبادة الحيات والجعل، وعبادة الحيتان والتماسيح، وكلها وثنيات تتخفى ورائها الشياطين، حتى وصل بهم إلى عبادة شياطين الجن، ليتدرجوا في عبادتهم حتى ينتهوا إلى عبادة إبليس. فالسجود تحت قدمي إبليس، وتقبيل دبره، واستنشاق فيح ضراطه، هو الأمل المنشود الذي يعيش لأجله كل ساحر. فإن كان هذا مما تأنف منه الفطرة السليمة، وتأباه النفس القويمة، إلا أن السحرة يحسدون بعضهم بعض على هذا. فقد استغل الشيطان أهواء الناس ومخاوفهم فأضفى على بعض البشر الفوائق حتى يظن الجاهل أنها خوارق، ليظفروا بالتأييد والسلطان المسوغ لضلالهم، ومن هنا بدأ ظهور الرجل الخارق، والرجل الأسطورة الذي يفزع إليه في الملمات والمصائب، وينظر إليه بعين الرهبة والمهابة والتبجيل.

فالشيطان متخفيًا يستعين علينا بقدراته الفائقة، ومن ثم يسيطر على وظيفة عقولنا بفائق قدراته. وإذا كان التفكير هو وظيفة العقل، فالشيطان يوجه تفكيرنا باستفزاز انفعالاتنا بقدراته الفائقة، والتي تؤثر في سلامة التفكير، إذًا فالشيطان يوجهه تفكيرنا بفوائقه، وما هذا إلا هو السحر بعينه، قال تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) [الإسراء: 64، 65]. فخيل الشيطان ورجله تفوق قدراتهم قدراتنا المتواضعة كبشر، فبقدراته الفائقة يتسلط على الإنسان ويشاركه في المال والولد، فيظهر المال الشيطاني المسخر في أعمال الشر، ويظهر الولد الشيطاني الفائق القدرات والمخرب الذي يحكم العالم ويدمره، كأمثال فرعون وهامان، والنمروذ، وقارون، هذا في الأزمان الغابرة، أما في زماننا فحدث ولا حرج، إلا ما رحم ربي منهم. فأيدي التخريب في أرجاء العالم، قد وضعهم أسيادهم في منصبهم ليكونوا أداة لتحقيق أهدافهم وأغراضهم. أو مخدوع تتلاعب به الأيادي الخفية وتحركه صوب أهدافها، هذا ليس إلا لجهله، وضحالة علمه بخبايا وخفايا السحر والسحرة، فالأمر لله من قبل ومن بعد.

فقد شاع في زماننا هذا استثمار المال على حساب استثمار الإنسان، فتفشت البطالة وعمت الفوضى، وبذلك أمكن إحكام السيطرة على البشر، وابتزاز طاقاتهم وتوجيه قدراتهم، ليتم إخضاعه تحت وطأة ظروف سياسية واجتماعية وأخلاقية تتنافى والفطرة، ليتم حجب المال عنه، وتجميده في صورة سبائك ذهبية مكدسة داخل خزائن عملاقة. فاستثمار المال وتحويله إلى سبائك ذهبية لا يمكن أن يتم إلا من خلال نظام ربوي عالمي، أي حصد الأموال بدون مقابل مادي لها. وهذا هو ما وفرته الآلة والتقنية الحديثة فجارت على اليد العاملة، وبذلك يحدث التضخم الاقتصادي، وتندر مصادر الدخل، لأن المال صار مجمدًا وغير مستغل في استثمار قدرات البشر والاستفادة منهم، هذه هي خطة الشطان القديمة الحديثة، لم تتغير ولم تتبدل. وهكذا تم صناعة العجز البشري، وذلك بشل قدرات الإنسان، والعودة به إلى البيئة البدائية وكأننا نعيش في عصر إنسان الكهوف، لا في عصر التقنية الحديثة والمتطورة، رغم الفارق الشاسع بين العصرين.

وليت المال متوافر ومتاح، بل إذا توفر شيء قليل منه؛ فإن آلاف المصارف في انتظاره قبل الحصول عليه. فالمال واقع تحت سيطرة حفنة من السحرة وعملاء الشيطان، يحركونه بين المصارف حسب مصالح إبليس وغاياته، وليته يتم حسب مصالحهم وأهواءهم الشخصية. وهذا ما عزز التواكل بين الناس، خاصة في زمن اختلاط التيارات الفكرية، وتنامي المذاهب الوضعية، حيث صارت الضرورة ملحة في ظهور رجل خارق يخلص الناس من معاناتهم وآلامهم، وهذا الرجل الأسطوري تختلف مسمياته بين الملل، أما خطرهم على الإطلاق فهو المسيح الدجال المنتظر ظهوره بين الحين والآخر، وزاد من فرصة خروجه علو اليهود في الأرض بالسحر.

إن ما ترسخ في عقول الناس عامة، من الاعتقاد في امتلاك بعض البشر لقدرات خارقة للعادة، لا يخفى على أحد العقلاء من أهل الفكر والملاحظة، وحتى هؤلاء برغم مكتسباتهم العلمية والثقافية، إلا أنه دائمًا ما يتوارى في عقولهم رواسب عقائدية مبهمة، على هيئة مخيلات وتساؤلات لا إجابة عليها، لتبقى مثل هذه الشوائب عالقة بالأذهان، لتظهر انعكاساتها تلقائيًا بمجرد الالتقاء برجل خارق، فإما يضطر حيالها لاتخاذ موقف المكذب، فيتخلص من عبئها بنسبها إلى الشعوذات، وإما يتقبلها باستسلام وتنبلة، فينسبها جورًا إلى الكرامات والمعجزات، بدون الالتفات إلى أصلها، فلا يسعى للتحقق من مصدرها؛ أهي من الله، أم من الشيطان؟ أما في عصرنا الحالي فالبعض يتناولها باعتبارها قدرات نفسية خاصة، وهذا إمعان منهم في التضليل.

وبسبب الجهل الشائع بخصائص عالم الجن وقدراتهم الفائقة، ومدى تداخلها في قدرات البشر، ولعدم تأصيل هذا العلم وتدوينه إلى عصرنا الحالي، فلن يصل أحد إلى إجابة شافية كافية لهذه التساؤلات. ولن تتبدد هذه الأوهام حول خارقية بعض البشر، بل سوف تزداد علوقًا بالأذهان وثباتًا، وستتعمق الرهبة منهم إلى دركات سحيقة، إلا ما قد يطرحه البعض من مجرد تفسيرات فضفاضة، ليضفوا عليها بأسلوبهم البلاغي مسحة يقينية، فتنتقل من مجرد فروض احتمالية ظنية، إلى نظريات حتمية يقينية، ليتأكد الباطل، ويثبت في العقول، وتتسع مساحة انتشار الجهالات، لأن هذا أو ذاك تكلم بصيغة الجزم، وربما بلا سند له من عقل أو نقل. فطرح التفسيرات الفضفاضة بأسلوب الجزم، ما هو إلا مجرد تخدير للعقول، ومثبط لنشاط حركة الوعي والإدراك، وكبح لجماح التساؤلات الثائرة في أذهان الناس، بصفتها أسئلة مؤرقة لجميع الأطراف، سواء السائل أم المسؤول، فلا إجابات واضحة عليها.

والسبب في ذلك غياب الربط بين دلالة النصوص الشرعية على الغيبيات، وبين الواقع الفعلي الملتمس بالتجربة، بما يفسر جزيئات النص الشرعي المبهمة، ويعيد الربط بينها في نسق متكامل صحيح. ولن يتاح هذا الربط إلا في وجود تجربة عملية، فالغيبيات المطروحة في النصوص الشرعية لا يمكن تفسيرها وفهمها إلا إذا أدركت بواسطة الحواس، فتحولها إلى أمر مدرك حسيًا ممكن وغير مستحيل، من خلال وسائل الاتصال بين عالم الجن وعالم الإنس، وهذا مما هو في قدرة الجن، وليس في جملة قدراتنا نحن بني البشر، فنحن مهيئون فقط لاستقبال هذا الاتصال، وعاجزون عن إرساله، وهذا يعني تجردها كتجارب شخصية، قد يدركها البعض، ولا يدركها البعض الآخر، لذلك ينحصر الإيمان بها في إطار النص شرعي. ولأن عالم الجن عالم غيبي فائق القدرة، فليس كل ما فيه يوافق قدرة العقل البشري على إدراكه، إلا فيما وافق ما انتهى إليه العلم البشري، لذلك فالتجربة المتخصصة في ضوء معطيات شرعية، لها وحدها القدرة على تفسير نصوص الغيبيات.

وولف ميسنج Wolf Messing

وولف ميسنج Wolf Messing

وسنستعرض واحدًا من حالات الاتصال بين الجن والإنس، وكيف نتج عن هذا الاتصال صناعة أحد الرجال الأسطوريين. حيث يصف (وولف ميسنج Wolf Messing) كيفية حدوث هذا الاتصال، وقد كان لا يزال طفلاً صغيرًا، يقول: (ولدت في 10 أيلول 1899، فوق تراب الإمبراطورية الروسية في قرية صغيرة اسمها غورا كالواريا، قرب وارسو. كانت أسرة مسينغ مدقعة الفقر، ومشتطة في تدينها، وقد حفظ وولف (التلمود) عن ظهر قلب وهو في السادسة من العمر بفضل ذاكرته المعجزة. وقد قرر الحاخام أن على الولد أن يذهب إلى مدرسة دينية كي يصير حاخامًا بدوره. واغتبط والدا مسينغ للفرصة التي أتيحت لابنهما، لكن وولف رفض ذلك رفضًا قاطعًا. يتذكر مسينغ فيقول: (يومئذ حدثت أولى عجيبة في حياتي، فقد أرسلني والدي لأشتري علبة سجاير، وكان الليل قد أرخى سدوله لدى عودتي. كان مدخل كوخنا الخشبي غارقًا في الظلام. وفجأة ظهر على درجات السلم شخص مارد، يقدح شررًا، يرتدي ثوبًا أبيض، وقال صوت: (يا بني، إنني رسول من السماء، بعثت كي أتتنبأ بمستقبلك! اذهب إلى المدرسة! صلواتك مقبولة في السماء!). وعلى أثر هذه الكلمات، اختفى الشبح. كنت آنئذ عصبي المزاج، سريع التأثر والانفعال، صوفي الطبع؛ وقد كان لتلك الكلمات وقع الصاعقة علي؛ فسقطت على الأرض مغمى علي. حين ثبت إلى رشدي، كان أبي وأمي يتلوان الصلوات علي، ولما تمالكت نفسي، رويت لهما ما حدث لي. وبعد معجزة كتلك، لم يعد في مقدوري أن أقاوم وذهبت إلى المدرسة الدينية في القرية المجاورة). ( )

صناعة الرجل الأسطورة:

بالتأكيد لو أن مسينج هذا الرجل الأسطورة كان نصرانيًا، لزعم النصارى على الفور أن ما حدث له هو من مواهب الروح القدس، ولكن يعكر صفو أمانيهم أنه يهودي. ولو سمع بقصته أحد متصوفة المسلمين، بدون أن يعلم أنه يهودي، لذهب بحثًا عن قبره ليتمسح به، ويقبل أعتابه، ظنًا منه أنه من أولياء الله الصالحين. أما العلماء والباحثين فينظرون للمسألة من وجهة نظر مغايرة تمامًا، ومن جانب مادي بحت، رغم علمهم المسبق بطبيعة مثل هذه الأحوال، بل وممارستهم لطقوس السحر، واتصالهم المباشر بالجن والشياطين، وانتمائهم لجمعيات سرية سحرية، كالماسونية وغيرها، إلا أنه التضليل والتكتم على هذه الأسرار، وتغليفها بالرموز يعد أمر حيوي لبقائها واستمراريتها، فلا يملكون البوح بها، إلا بأمر مباشر من معبودهم السري، خاصة إذا تأكد لنا أن ديانة السحر قائمة على مبدأ تسلط الشيطان على أولياءه، لذلك فأحيانًا ما يأخذ البعض هذه الفوائق بروح الدعابة والمرح، وكأنها استعراض فني على أحد المسارح.

شيلا ولين تقولان: (دعا ألبرت اينشتاين شخصيًا الفتى وولف إلى زيارته في شقته. ولا يزال ميسنغ يتكلم بدهشة إلى اليوم عن العدد الهائل من الكتب التي رآها في تلك الشقة. وفي مكتب اينشتاين، التقى وولف أبا التحليل النفسي سيغموند فرويد (الذي كان قد لاحظ ذات يوم أنه لو قيض له، هو فرويد في حياته مرة ثانية، لحبذ أن ينذر نفسه للبحث الباراسيكولوجي).

وقد أثارت مواهب مسينغ فوق العادية عجب فرويد الشديد، فقرر أن يجري بنفسه للفتى عددًا من الاختبارات. وقد قام فرويد ذاته بدور المرسل. يروي مسينغ: (لا أزال أذكر إلى اليوم الأمر الذهني الذي أصدره إلي فرويد: (اذهب وابحث في خزانة الحمام عن ملقط الشعر. ثم ارجع إلى ألبرت اينشتاين، وانزع ثلاث شعرات من شاربه الكث!). بعد أن عثر ميسنغ على الملقط، اتجه مستقيمًا نحو عالم الرياضيات المشهور، وشرح له (معتذرًا) ما يريد فرويد أن يفعله به. فابتسم اينشتاين ومد خده للفتى). ( )

جرت العادة عند وقوف البعض حائرين أمام تفسير بعض الظواهر الغيبية والفوائق، أن يتخلصوا من عبء البحث العقيم وراء حقيقتها، بإدراجها تحت مسمى الكرامات، أما اللادينيون (العلمانيون)، والملاحدة (الشيوعيون)، فلكي يتخلصوا من التبعية الدينية، فيلحقون الخوارق بالقدرات فوق النفسية. وعلى العكس من ذلك تمامًا؛ فإذا أتى أحد الأنبياء بمعجزة، أو أجرى الله على يد أحد الصالحين كرامة، زعموا أنه ساحر، رغم أن السحر بأصوله الوثنية، يعتبر ديانة تحوي طقوسًا تعبدية، ولكن كما قال تعالى عنهم: (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [النمل: 13، 14].

إذًا فهم يعترفون في سريرتهم بالدين، لأن التدين أمر فطري لا يملكون إنكاره، ويؤمنون بالخوارق على حقيقتها، فلا يعرضون عن الدين بمفهومه الفطري، ولكنهم يرفضون أي انتماءات دينية تخالف أهواءهم، سواء كان للإسلام الدين السماوي الوحيد، أو أي من الديانات المحرفة عن دين الإسلام، كاليهودية أو النصرانية، أو الديانات الوثنية والتي لا حصر لها. وإبليس يعلم هذا منهم، فجاءهم بديانته فأغواهم من حيث أهواءهم، فاقتنصهم بذلك وأسقطهم في حبائله، فبعد لا إكراه في الدين، تسلط عليهم واستعبدهم في ديانة السحر، بالسخرة والذلة والمهانة، فجعلهم في وضع الشماتة والعار، فمن أين للساحر بالجرأة ليقر بمخازيه؟ ولأن المعرفة بالجن مصدرها ديني، فهم يرفضون هذه المعرفة، من حيث إعراضهم عن الارتباط بأي ديانة كانت، وهذا كله من صميم عمل الشيطان في الأنفس. لذلك فرغم إعراضهم الظاهري عن الخوارق، وتكذيبهم بالسحر والفوائق، وإنكارهم لوجود الجن، إلا أنك تجدهم في السر من عتاة السحرة، ومن أشد أولياء الشيطان تزمتًا. لذلك جاءت الديانات الوثنية كمرحلة انتقالية، ما بين الديانات المحرفة، وبين ديانة السحر. والفارق بينهم، أن رجال الديانات والمذاهب المحرفة، والفرق الضالة، والصوفية، والقسيسين، والرهبان، والحاخامات، وعلماء السوء، قد جعلوا من أنفسهم وسطاء بين أتباع ملتهم وبين الله، فاسخطوا الله عليهم.

ولأنهم لم يشاءوا الجهر بعبادتهم للشيطان، بل لعنوا الشيطان وحقروا من شأنه، حتى أضحوا شركاء في عبادة الشيطان من دون الله، لذلك لم ينالوا رضاه. لكنه اكتفى منهم بسخط الله عليهم، فأضفى عليهم الفوائق، ليسبغ عليهم حلة من القدسية والمهابة، ليصيروا رجالاً خارقين وأسطوريين في أعين أتباعهم، حتى أطلق الناس عليهم ألقابًا تأليهية، كلقب (السيد)، و(القديس). وهذا المدد الشيطاني، لا المنحة الشيطانية، فالشيطان لا يهب، ولا يمنح شيء بدون مقابل، فقد تسلط بمدده عليهم، باعتبارهم صاروا بذلك رسلاً للشيطان، لا دعاة الرحمن، ليضل بهم الكثيرين بعد أن صاروا آلهة صغيرة تمشي على الأرض، وأوثانًا تعبد من دون الله. بينما في الديانات الوثنية عبدت الآلهة المتعددة باعتبارها وسيط بين العابد وربه، قال تعالى: (أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزمر: 3]، فالأوثان المعبودة سواء كانت بشرًا، أو حيوانات، أو سماء، أو كواكب، أو أنهار، إلى آخر ما هنالك من معبودات لا حصر لها، فقد صنعوا لكل واحد من هذه الأوثان صنمًا، أي تماثيل تمثل التصور الأسطوري لهذه الآلهة، وما هي في حقيقتها إلا مجرد وسيط مادي تتجسد عليه الشياطين، فعبدوا هذه التماثيل، ليتم بذلك عبادة الشيطان بشكل غير مباشر، قال تعالى: (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا) [النساء: 117]، فعن أبي بن كعب قال: (مع كل صنم جنية).( )

فآمنوا بأساطير الآلهة والسحر، قال تعالى: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ) [العنكبوت: 25]. وبالإضافة إلى تبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة، فقد اتخذوا عبادة الأصنام مودة بينهم وبين بعضهم البعض، ومودة بينهم وبين الشياطين المعبودين من خلف هذه الأصنام، فعبدوا الشيطان عبادة غير مباشرة، واتخذوا من الأصنام وسائط تعبدية، ولأن عبادتهم هذه لا ترقى لمستوى يتكافأ والعبادة المباشرة، لذلك فهي من أدنى درجات الولاية بين العابدين وبين الشيطان، فلا زال أمامهم الكثير حتى يسجدوا للشيطان سجودًا مباشرًا، لذلك يتبرأ منهم الشيطان في الحياة الدنيا قبل الآخرة، فلا يلبي طلباتهم إلا من خلال وسيط يتعبدونه عبادة مباشرة، وهم طبقة السحرة والكهنة، فجعل منهم كائنات أسطورية. رغم بطلان عبادتهم هذه، إلا أنه في خضم زحام تعدد هذه الآلهة المختلفة، ما زال الله عز وجل عالقًا في ذاكرتهم، والشيطان يقف عاجزًا أمام هذا التعلق، فيذكرونه في الملمات وينسون ما يشركون، قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) [الأنعام: 40، 41]، حيث يتخلى عنهم الشيطان عند المحن الربانية، والتي لا ينجي الهالكين منها إلا الله عز وجل وحده، لتتلاشى قدسية الأوثان المزعومة، وتنكشف سوءة الشيطان بعجز فوائقه عن مواجهة الخوارق والتصدي لها، فالشيطان قد يستطيع بفوائقه معالجة الأمور، لكنه يعجز تمامًا عن جعلها مجدية، فقد يعالج مريضًا بتعاطي أسباب الشفاء، لكن باعتباره مخلوق؛ فهو لا يملك جدوى هذه الأسباب وشفاءه.

وأما الكهنة باعتبارهم يمثلون وسطاء بين الآلهة وبين المتعبدين، صاروا يمثلون بذلك وسيط الوحي الشيطاني، يتلقون تعاليم الآلهة، ثم ينقلونها إلى المتعبدين، أي أنهم يتلقون تعاليم شياطين الجن. فأجرى الشيطان الفوائق على أيدي الكهنة، ليس لتأييدهم ودعمهم، ولكن لتأييد رسالتهم الشيطانية، ودعم أركان الضلالة وترسيخها في أنفس المشركين، ولإكساب تعليماته المصداقية أمام رواد المعابد الوثنية. فصار الكهنة بذلك رجالاً أسطوريين، يفزع إليهم في الملمات والمصائب، ويرهب جانبهم، حتى أن رهبتهم هذه قد تصل إلى قلوب الملوك والحكام، بصفتهم نواب عن الآلهة وممثلين لها، ولكنهم لا يزالون باعتبارهم مجرد وسطاء الشيطان، يشكلون حاجزًا كبيرًا بين الناس وبين الشيطان، ويحولون بينهم وبين العبادة المباشرة، والتي يتفرد بها هؤلاء الكهنة والسحرة، وهذا ما لا يرضي غرور الشيطان، وينازع طموحه بإفراد العبودية له من دون الله تبارك وتعالى، ولكنه يكتفي بهذا منهم، في مقابل شططهم عن الدين الحق وإقصاءهم عنه.

أما في ديانة السحر فتتم عبادة الشيطان بلا وساطة وثنية، بشرية كانت، أو غير بشرية، فيصير العابد رجلاً خارقًا بدون وسيط من الإنس، كما في حالة كهنة المعابد الوثنية، لكن هناك وسطاء آخرين من شياطين الجن، يقفون عائقًا بين الساحر وبين معبوده الأكبر إبليس، عليه وعليهم لعائن الله، فيتدرج العابد في العبودية، فيلتزم بتقريب القرابين، حتى ينال شرف السجود تحت قدمي إبليس، وهذه من أكبر الدرجات التي يصل إليها السحرة في سلم الدرجات الشيطانية، فقد صح عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت)، قال: الأعمش أراه قال: (فيلتزمه)،( ) فلا تنال هذه المنزلة إلا بعد مكابدة ومشاق صعبة. فتنبه إلى أن سرايا إبليس لا تشتمل على جنوده من الجن فقط، ولكن تشتمل أيضًا على جنوده من الإنس أيضًا، فكما عبد الناس إبليس، وهو من شياطين الجن، فكذلك عبدوا فرعون، وهو من شياطين الإنس، وإلا صار فهمنا للنصوص قاصرًا، قال تعالى: (وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ) [الشعراء: 92: 95]، فتنبه إلى صياغة الآيات الكريمة، والتي يوحي صريح ألفاظها بجو المعركة المنظمة والهادفة في إطار تعبدي، فقال تعالى: (أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ)، ثم قوله: (هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ) يوحي بجو النصر والهزيمة بعيدة المدى، والذي يأمل جنود إبليس الظفر به، ليس في الدنيا فقط، ولكن عشمهم الأكبر يوم يرون العذاب الأليم، وقوله تعالى: (وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ)، والذي يوحي بوجود نظام عسكري برئاسة إبليس، لذلك فصغار السحرة، وأتباعهم من الشخصيات الإنقيادية، بقيادة الرجال الخارقين والأسطوريين، لا يجب أن نفهم أنهم يتحركون عبثًا بلا أهداف قريبة وبعيدة، أو بلا قيادة خفية تنظم خطواتهمهم، وتخطط لهم وتحركهم بشكل يتفق وخصائص عالم الجن في واقع عالم الإنس.

وراجت الأكذوبة:

وهكذا ندرك حقيقة دور الرجل الأسطورة، فبعد أن أتقن الشيطان صياغته وتشكيله، لم يعد مجرد رجل هوائي، بل جندي من جنود إبليس، مسخر من قبله، ومسير لتحقيق أهدافه ومآربه، حيث يتعرض لإجراء عملية غسيل مخ، فمثل هذه العمليات الإجرامية التي تقوم بها الأجهزة الشيوعية وغيرها من الأنظمة المشبوهة، هي نوع من السحر، يستحوذ فيه الشيطان عليه، فيسيره حسب أهداف معينة، بعد أن يتم استفراغ عقله من كل المعتقدات المتعارضة مع الحشو الجديدة، لينضم بعد ذلك في صفوف إبليس وجنوده، قال تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [الحشر: 19]، فإذا كانت هذه العمليات تتم بين الإنس فالجن أولى بهذا منهم.

وعلى هذا فكل من أتى بشيء فوق العادة، سواء أكان مشعوذًا يستخدم خفة اليد بمهارة فائقة، أو ساحر سخرته الجن للتسلط على البشر وتعذيبهم، أو جاهل مضلَّل تتلاعب به الأبالسة والشياطين لنقل عدوى الضلال إلى من حوله، فبعد أن يختلط الحق بالباطل، يطلق الناس على كل هؤلاء أولياء الله الصالحين، فترى أثر هذا المعتقد الكامن في أنفسهم يرسم على وجوههم علامات البلاهة والعته، فينظرون إليه وكأن على رؤوسهم الطير، مما يبعث في النفس جراح الأسى والحزن، لوصول هشاشة معتقد المسلمين إلى هذا الحد من الهوس والتخريف، الذي تمكن من استغلاله النافخين في كير الضلالات المستعر، ليتكاثف [الدخان الأسود] ويتصاعد حتى يصير ركامًا يعمي الأبصار، وإن كان هذا هو حال عامة المسلمين، إلا أن خاصتهم من أهل العلم لهم حال آخر مع تلاعب الشياطين.

قال الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله: اشتد علي الحر في بعض الأسفار يومًا، حتى كدت أن أموت عطشًا، فظللتني سحابة سوداء، وهب على منها هواء بارد، حتى دار ريقي في فمي، وإذا بصوت يناديني منها؛ يا عبد القادر! أنا ربك. فقلت له: أنت الله الذي لا إله إلا هو؟ فعدل الشيخ عن الاسم المشترك كما يقال: رب الدار، ورب المال، إلى الاسم المختص بالواحد الأحد سبحانه. قال: فناداني ثانيا. فقال: يا عبد القادر! أنا ربك، وقد أحللت لك ما حرمت عليك. قال: فقلت له: كذبت؛ بل أنت الشيطان. قال: فتمزقت تلك السحابة، وسمعت من ورائي قائلاً: يا عبد القادر! نجوت مني بفقهك في دينك، لقد فتنت بهذه الحيلة قبلك سبعين رجلاً. وقيل للشيخ عبد القادر: كيف عرفت أنه الشيطان؟ قال: من حين قال: (أحللت لك) عرفته، لأن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحليل ولا تحريم، فنفعه الله بالعلم النافع. قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: ما عظمت عبد القادر إلا بكلامه في القدر، وحكايته مع الشيطان. ا.هـ ( )

لاحظ نسبة الجهل إلى العلم في هذه القصة كبيرة جدًا، عالم واحد فقط، في مقابل سبعين جاهل، نسبة مؤرقة وتبعث على الشجن، وهذا يشعرنا بمدى كثافة [الدخان الأسود]، والذي تغلغل في أنفس الناس، فالشيطان يتصل بشخص واحد في فائقة يحتال بها عليه ليضمه في صفوف جنوده، فالسبعين جاهلاً الذين أحل لهم الشيطان ما حرم الله، بصفتهم صاروا رسل الشيطان وسفراء إبليس، قد أضل بهم الشيطان كثير من الناس، وكله يتم بالفوائق على اعتبار أنها خوارق، فكيف الحال إذا ظهر الشيطان للناس جهارًا نهارًا، يبهرهم بفوائقه، ويزعم أنه رب العالمين، وسيحدث هذا يومًا ما، فأين أنت من المسيح الدجال صاحب أكبر فتنة؟ فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ينزل الدجال في هذه السبخة بمرقناة، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه، وإلى أمه، وابنته، وأخته، وعمته فيوثقها رباطًا، مخافة أن تخرج إليه.. ). ( )

لا مانع أن يجري الله على يد بعض الصالحين شيء من الكرامات، ولكن ما يحدث أن ألسنة الغوغاء تلوك تلك الخوارق، فتضيف إليها بسقيم خيالها المليء بالأحلام والأماني، أو على العكس فقد تنتقص منها استخفافًا بشأنها، بما يخل بقدرها، وهو ما قد يخرجها عن إطارها المحدود ككرامة إلى خارقة توازى معجزات الأنبياء، وأحيانا يفيض الكيل ليصل الغلو في صاحب الكرامة إلى درجة تأليهه، وأحيانًا يحدث أن يجتمع هذا كله معًا، فيتحول الرجل الصالح بهذا إلى رجل أسطوري خارق Supper Man، فإن أصاب أحدهم نازلة من بلاء وعذاب شد الرحال، وضرب الأرض شرقًا وغربًا بحثًا عن ذاك الرجل الأسطورة ذائع الصيت، ليخلصه من معاناته، والحقيقة أنه يبحث عن خيال ووهم، لا وجود له إلا في عقول الناس ومخيلاتهم المريضة، لأن الرجل الصالح ليس من خصائصه تخليص الناس من جملة همومهم ومتاعبهم، ولكنه دور أهل الذكر، كل في تخصصه، فماذا تفيد دعوة الصالحين إذا تركنا التطبب، وركنا على أبواب الصالحين في انتظار دعواتهم المباركة؟ ولكن يجب علينا الأخذ بكل الأسباب المشروعة الدعاء والطب معًا.

لكن لما يئس الناس من إجابة الدعاء، تغافلوا عن أسباب عدم جدواه، فإن لم يهتدوا إلى الدواء الناجع، فعلى الأقل لا يصلحون من أنفسهم، بل يركنوا إلى الخرافة والأسطورة، والاستسلام للدجل والخداع، كمسكن نفسي، فالتواكل هو علامة اليأس من الدعاء، ودليل على سوء الظن بالله تبارك وتعالى، وهو من تزيين الشيطان، الذي استطاع استغلال أحلام الناس ومخاوفهم وأمانيهم، فأدخلهم في نوع من الوحي الشيطاني، بنسج الأساطير الخرافية التي لا يصدقها عقل عاقل، فالناس تبحث عن معجزة تخرجهم من أزماتهم، وهذا لن يحدث، لأنه ضد التوكل، لذلك فالبديل المتاح، والمضاد للمعجزة هو السحر، وهذه هي الفتنة التي يبغيها إبليس، طالما وجد في العقول مساحة معطوبة، تعطل العقل عن العمل بالحد الأدنى من كفاءته، بما يسمح له باستغلال الجهل والخواء العقائدي، ليبر بقسمه على إضلال ذرية آدم وإغوائهم (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص: 82]، ولما علم هذا الملعون أن لا سبيل له على المخلصين العالمين العاملين استثناهم من قسمه.

إذا كان كل المسلمين هم أولياء لله لا أولياء للشيطان، فالمعالج باعتباره واحد منهم، لا يزيد عنهم في شيء سوى العلم المتخصص في عالم الجن، فإذا أتيح لكل مسلم الحصول على هذا العلم لصاروا جميعًا معالجين، إلا أن صلاح المعالج يضيف إليه الكثير من النجاحات، بالمقارنة بالمعالج الملتزم بمعدل ثابت من التدين، فالصلاح والتقوى يفتحان للمعالج كثير من المغاليق التي أبهمت وأشكلت عليه، قال تعالى: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) [البقرة: 282]، فالمعالج يتعامل مع عالم غيبي، والإحاطة الكاملة بظروف كل حالة أمر شبه مستحيل، لذلك فالمعالج يبذل جهد فائق في محاولة منه لتحصيل أكبر قدر ممكن من المعلومات المطلوب توافرها عن الحالة التي هو بصدد التعامل معها، وبتكرار المحاولات تترسب لديه خبرات وتجارب خاصة، تجعل من المواجهات المستقبلية أمرًا أكثر سهولة، إذًا فالمعالج مختلف تمامًا عن الرجل الأسطورة، فالدعاء والعمل الصالح هما السلاح الماضي في المعركة ضد الشياطين، وتوفيق المعالج لا يعنى تميزه وتفرده عن سائر الناس بصلاحيات وخواص فائقة، ولكن ما يميز المعالج عن غيره كم الخبرة العملية التي حصل عليها.

ففي الوقت الذي يقف فيه الناس مشدوهين أمام بعض حالات المس، إلا أنها بالنسبة للمعالج المتمرس تعد أمرًا لا يستحق مثل هذه الدهشة، وذاك الانبهار، فلكل حالة أسلوب مختلف في التعامل معها، إذًا فالجهل بخصائص عالم الجن يفرض نظرة خرافية إلى المعالج باعتباره رجل خارق، وهذه النظرة الخرافية تنبه إليها المرتزقة، فتلقفوها ليبتكروا شتى أنواع الشراك الخداعية، وتفننوا في صناعة الدجل لدرجة الحزق والاحتراف، ولا مانع لديهم من تطعيم الدجل ببعض فنون السحر والتنجيم، ليكتسب الدجل سيطرة ونفوذًا في أنفس الناس، فأمام حالة الانبهار، وفي غياب العلم المتخصص تعجز العقول عن استيعاب الفوائق، لتصاب بحالة من الاستسلام والتنبلة، فالعبرة أولاً وأخيرًا بالنتائج المبهرة والملموسة، بغض النظر عن كونها معقولة أم غير معقولة، فالأمر الطبيعي أن العقل سيقف حيالها عاجزًا عن تفسيرها، حيث يتعطل دوره عند هذا الحد، حتمًا؛ لأنه سيواجه واقع اللامعقول.

وذكر سماك بن حرب عن الحجاج فقال: (ولما فرغ منه وسكنه أعجبه إعجابا شديدا فبينما هم ذات يوم في مجلسه إذ أتاه بعض خدمه فأخبره أن جارية من جواريه، وقد كان مائلا إليها، قد أصابها لمم فغمه ذلك، ووجه إلى الكوفة في إشخاص (عبد الله بن هلال) الذي يقال له: صديق إبليس، فلما قدم عليه أخبره بذلك، فقال: أنا أحل السحر عنها، فقال له: افعل. فلما زال ما كان بها قال الحجاج: ويحكم إني أخاف أن يكون هذا القصر مختصرا. فقال له: أنا أصنع فيه شيئًا فلا ترى ما تكرهه. فلما كان بعد ثلاثة أيام جاء عبد الله بن هلال يخطر بين الصفين، وفي يده قلة مختومة، فقال: أيها الأمير تأمر بالقصر أن يمسح، ثم تدفن هذه القلة في وسطه فلا ترى فيه ما تكرهه أبدا، فقال الحجاج له: يا ابن هلال وما علامة ذلك؟ قال: أن يأمر الأمير برجل من أصحابه بعد آخر من أشداء أصحابه، حتى يأتي على عشرة منهم، فليجهدوا أن يستقلوا بها من الأرض فإنهم لا يقدرون، فأمر الحجاج محضره بذلك، فكان كما قال ابن هلال، وكان بين يدي الحجاج مخصرة فوضعها في عروة القلة، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، ثم شال القلة فارتفعت على المخصرة فوضعها، ثم فكر منكسا رأسه ساعة، ثم التفت إلى عبد الله بن هلال فقال له: خذ قلتك والحق بأهلك، قال: ولم؟ قال: إن هذا القصر سيخرب بعدي، وينزله غيري ويحتفر محتفر فيجد هذه القلة، فيقول: لعن الله الحجاج، إنما كان يبدأ أمره بالسحر، قال: فأخذها ولحق بأهله.. ). ( )

هكذا ترك الناس قوانينهم الطبيعية ولجئوا إلى قوانين الجن وطب الخوارق، وممارسة السحر، فقبلوا الدجل، والذي دخل كل بيت بلا عائق ولا حاجز من ثقافة أو مكانة اجتماعية مرموقة، بل إن الذي يفسح المجال دائمًا لمثل هذا الإثم هم علية القوم وأصحاب السلطة والنفوذ، وليس كما قد نعتقد من أول وهلة، أنهم الجهلاء والفقراء والمعوزون الذين لا يجدون ثمن الدواء إلا بشق الأنفس. ففرعون وهامان كانا من علية القوم، ثراءًا وسلطة وجاهًا، ورغم ذلك تبنوا مولاة الشيطان، وتبنا ممارسة السحر، وفتحوا الباب السحرة، وقد وصل الأمر إلى حد الإكراه والكفر بالله تعالى وزعم الربوبية والألوهية، قال تعالى: (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [طه: 73].

أعلى الطبقات الاجتماعية وتبني الخرافات:

تقول سنوك في كتابها (مكة): ( .. إنه منذ وقت قصير أقيم حفل زار لإحدى الأميرات وهي ابنة الخديوي إسماعيل، وكانت سيدة عجوز مريضة، عالجها أطباء كثيرون، ولكن سيدات الحريم أقمن لها زار ظل قائمًا لمدة أسبوعين قبل وفاتها مباشرة، وقد حصلت على هذا التقرير من شاهد عيان تقول: في المساء حضرت ثلاث نساء وجواريهن، وأخلي الصالون من كل ما به من أثاث، وأجلست الأميرة المريضة في سريرها بالغرفة المجاورة متكئة على الوسائد، وأخذت الاستعدادات اليوم كله وأطلق البخور في كل غرفة من القصر، بينما منعوا الزوار من الخارج، وتجمع الخدم والجواري في الحريم ولم تحو الحجرة كرسيًا (كالمعتاد) بل موقدًا كبيرًا كان يحرق فيه البخور، وجلست الشيخات الثلاث في ملابسهن الحريرية الثقيلة ذات الألوان المختلفة، وقد اشترينها خصيصًا لهذه المناسبة بالذات، وعلى رؤوسهن طرابيش مغطاة بالذهب، فقد أخذن أكثر من مائة جنيه لهذه المناسبة.قامت النسوة الثلاث بالرقص بالتناوب نيابة عن المريضة، وأخذن يضربن طبولهن ويغنين بصوت غريب غير مفهوم، وبعد وقت قصير انحنت رئيستهن على النار وأخذت تتكلم بألفاظ غامضة في حين أن زميلتيها قربن سرير الأميرة من النار في وسط الحجرة ولمسن جسدها بخفة، وكذلك وجهها وذراعيها وظهرها، ثم أخذت الرئيسة تتكلم في صوت عميق مقلدة الرجال كزئير الأسد، وترجمت الكلمات العربية إلى التركية كي تفهمها الأميرة. وكانت كما يلي: أنا زار، وقد تملكت الأميرة من 15 سنة، وأنا الآن أعلن نفسي، وسأترك الأميرة حتى تعود إليها صحتها. وانفردت سيدتان منهما معًا في الصالون المجاور تتحدثان سويًا لمدة وجيزة، ثم عادتا بعدها وصوتهم هادئ طبيعي كصوت النساء، مخالف لما كان عليه في البدء، ثم أعلن أن الروح قد خرجت وهنأن الأميرة ثم خلعن ملابسهن الحريرية وسقطن على الأبسطة في حالة عصبية تشنجية، بينما وقفت الحريم في خشوع، وقبل أن يغادرون القصر أخذت تتبرك بهن كل الجواري ضعيفات النية، فكانت النسوة تلمس جباههن وتدعو لهن بالخير والعافية. لم يكن هناك ذبيحة أو كرسي في القصر، ولكن في المساء التالي خرجت من القصر إحدى صديقات الأميرة المقربات وجاريتها التي لم تخرج من الحريم منذ سنوات، ذهبتا ليحضرا الضحية في بيت الكودية أو إلى مكان آخر. ولابد من أن نذكر أن الطبيب حينما حضر لعيادة المريضة في اليوم التالي وجدها أسوأ حالاً عن ذي قبل فسأل عن السبب ولكنه لم يتلق إجابة، وإحدى قريبات الأميرة المتعلمات بثقافة أوربية بكت كثيرًا أثناء هذه الاحتفالات، لأنها تألمت لحال الأميرة المسكينة التي لن يزيدها هذا البلاء إلا وبالاً، ولكنها ضعيفة الحيلة وسط جمع كبير). ( )

لذلك فدائمًا ما يبدأ الترويج للسحر والسحرة، من أعلى قمة السلم الاجتماعي، وليس من قاع المجتمع كما قد يعتقد، حيث أن الثراء والسلطة دائمًا ما يتورطان في حماية والتوطيد لمثل هذه الأنواع من الجرائم المارقة. فالدجال دائمًا ما يبحث عمن يدفع له وبسخاء، ويوفر له الحماية للاستطراد في غيه. بينما الفقراء والبسطاء يتأثرون بعلية القوم ويحاكونهم، لتنسج القصص حول البشر الأسطوريين، ومن هنا تبدأ رقعة انتشار الدجل في الاتساع، لتنشأ شخصية الرجل الأسطورة وتتطور في عقول مغلقة على مفاهيم باطلة.

فالمهم لديهم النتائج التي ترضي أهواءهم، وبدون أن يهدروا أموالهم، فلا استعداد عندهم للمغامرة بشيء منها كحال الأثرياء. ففي قصة سحرة فرعون وموسى، انتظر الناس الغلبة والنصر حتى يتبعوا الحق، فلم يعتبروا بكلمة الحق، قال تعالى: (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ) [الشعراء: 39، 40]، فلم يأخذوا بزمام العقل، بل بالنتائج المادية الملموسة. ورغم ذلك لم يؤمن مع موسى إلا القليل على خوف من فرعون وملئهم الذين كانوا يحمون السحرة، قال تعالى: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ( [يونس: 83]. وفي نفس الوقت كان السحرة في انتظار الأجر والمكافأة إن كانوا هم الغالبين، قال تعالى: (وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ( [الأعراف: 113، 114]. إذًا فالمال يجلب السحرة ويجذبهم، بينما السلطة تحميهم وتدعمهم.

كتب عبده مغربي: ( .. في السابق كان اللواء زكي بدر، وقبل أن يصبح وزيرًا للداخلية قد ذهب في زيارة إلى الشيخ (قشر)، وحينما دخل سلم على الشيخة (جبريلة) وقبل يدها، قالت له: انت اسمك إيه؟ فقال: زكي بدر، فقالت له: انت حتبقى وزير الداخلية يا زكي. وحينما تولى زكي بدر وزارة الداخلية ذهب إلى ساحة الشيخ (قشر) في زيارة خاصة، ولأنه وزير للداخلية فقد ذهب إليهم في موكب وزاري لقرية صغيرة أكبر ما فيها كان يخاف من الشيخ الغفر، سبقت سيارة الوزير موتوسيكلات وسيارات الحراسة ودخلت ديوان الساحة المطلة على النيل، وقتها ذعرت القرية واعتقدوا أنها حملة من الشرطة جاءت لاعتقال عائلة الشيخ (قشر).

اللواء مصطفى زكي بدر ـ تولى منصب وزير الداخلية 18/5/1982 – 7/3/1986

اللواء مصطفى زكي بدر ـ تولى منصب وزير الداخلية 18/5/1982 – 7/3/1986

الساحة بسيطة جدًا وشيخها الشيخ (قشر) لم يسبق له أن ارتدى حذاء في قدمه طوال حياته فهو يرتدي الجلباب ولا يخلعه عن جسده إلا حينما يبلى تمامًا، وتظل تشاهده بجلباب واحدة أسابيع طويلة!! ساحتهم على غير عادة معظم ساحات الصوفية، لا تقدم للزوار إلا طبق (المش)، وتجد الشيخة (جبريلة) حينما تقدمه لهم يتكاثر المحبون حوله، كما لو أنه طبق من الكفيار، فيكفي أن الشيخة قد أحضرته لهم بيديها!! وحينما هل موكب الوزير زكي بدر خرج الشيخ (قشر من ضريح والده الشيخ (أبو بكر) على صوت صفارات الإنذار التي كانت تطلقها سيارات الموكب الوزاري، وحينما نظر الشيخ وشاهد زكي بدر، مد الوزير يده وانحنى يقبل يد الشيخ، فقال له بلهجة صعيدية: (يا خوي أنا قادر على أوكلك انت، لما جيب لي مولد معاك، من فين احنا نوكل الناس دي، شوية (المش) يدوب على قد اليتامى دول)، وأشار بيده إلى بعض المحبين الذين قدموا من القرى المجاورة.ضحك الوزير وأتباعه، وجاءت الشيخة (جبريلة) فتقدم الوزير نحوها وقبل يدها، فأشارت إلى أحد مريدي الساحة وقالت له: (روح اشحت لنا شوية (مش) من الجيران علشان نعمل الواجب مع الضيوف يا واد). وتناول الوزير وأتباعه (المش)، وكان الشيخ (قشر) قد أحضر لهم حبات الطماطم التي كان يقوم بتوزيعها سليمة على مرافقي الوزير، ولم تكفهم جميعًا.. وللشيخ (قشر) أحوال غريبة ومثيرة، وهو نبيه العقل، وإن كان يبدو عليه أنه درويش، في مرة أهداه أحد أتباعه سيارة حديثة، فكان يقودها حافي القدمين، فلم تغير السيارة شيئًا، وظل على صورته المعهودة، يرتدي ثيابًا بالية، وأحيانًا يضع فوق رأسه طاقية مصبوغة بالطين، إذا ما تصادف ووقف بسيارته على مدخل قريته تجد عددًا من السيارات تقف وينزل ركابها للسلام على الشيخ فيسلم عليهم، لكنه يتركهم أحيانًا ويجري خلف عربة كارُّو يلتقط منها بعض حبيبات الطماطم، يمسح بيده واحدة ويأكلها، ويضع الباقيات في جيبه، وما إن يدخل الساحة حتى يخرجها ويوزعها على ضيوف ساحته، الذين يحتفظون بها لحين قدوم طبق (المش) الشهير في هذه الساحة.. ).( ) فهذا الرجل الأسطوري يفتقد إلى الالتزام بأبسط تعاليم الدين الإسلامي، من نظافة المأكل والملبس، ورغم قذارة يديه إلا أن الرجل انحنى على يده يقبلها. بل ويلتقط الطعام من على العربات، وغير ورع فلا يبالي أحصل على طعامه من حله أم من حرامه، والناس تأكل بنهم من يده الطعام المسروق، على أنه بركة من يد الرجل الأسطورة. والسؤال ما سر توجه ذكي بدر منذ البداية إلى هذا الرجل وزوجته؟ وربما نستشف الرد من بين كلمات الكاتب الصحفي عبده مغربي فنجده يقول: (ذاع صيت عائلة الشيخ قشر وكان ولا يزال يقصدها كبار القوم وعليتهم، وعرف عن ساحة الشيخ قشر أنها تمنح الدرجات والرتب في وزارة الداخلية. واستمر هذا المعتقد في ساحتهم فكان ولا يزال يقصدها قيادات في الشرطة، تذهب خصيصًا من أجل الحصول على بركة الساحة والدعاء لهم بالترقي في الرتب والدرجات حتى الآن). ( )

وأما زوجته المرأة الصعيدية Lady (جبريلة)، أو المرأة الخارقة فيصافحها الرجال الأجانب! بل وينحنون ليقبلوا يديها للحصول على البركة! بلا خجل وحياء المرأة الصعيدية المعهودين عنها، وبدون ورع النساء الصالحات، تمامًا وكأنك في أحد بلاد أوربا، لا في صعيد مصر. وهذه أول مرة أسمع عن التبرك بتقبيل أيادي النساء الأجنبيات! وبالرغم من هذه التناقضات التي لا يلتفت إليها، تتنبأ المرأة الأسطورية بنبوءة تتحقق. والعجيب في الأمر أنها علمت بترقيته، ولكن على ما يبدو أن الوحي الشيطاني نسي أن يبلغها باسمه، فسألته (انت اسمك إيه؟).

وهكذا تعمي الفوائق أبصار من عميت بصيرتهم، لتقبل الخرافات باعتبارها كرامات، فلا أحد يتساءل عن كيفية حصول مثل هذه المرأة على تلك النبوءة، وأن مصدرها مسترقي السمع من شياطين الجن، فينحني ليقبل يدها رجل من المفترض حصوله على أعلى الدرجات العلمية، ووصوله لأعلى المناصب والسلطة والنفوذ، فكيف حال أعوانه ومساعديه الذين التفوا حوله، يتعلمون منه ويتأسون به؟! بالتأكيد سيعظم في أنفسهم قدر هذا الرجل الأسطورة، وزوجته المرأة الأسطورية. وهكذا يتم نحت وتشكيل الرجل الأسطورة، لتحقيق مصالح خاصة، فتقبل مثل هذا الهراء يتم بتوجهات خاصة لخدمة أهدافهم.

وهذا الرجل هو أحد أصحاب المناصب الرفيعة، والظاهرة أكبر من أن نخصها بفرد بعينه بل في كل منصب سوف تجد حفنة من هؤلاء المريدين، بل قل السحرة، فعلى مر التاريخ بداية من فرعون وهامان إلى دافنشي وستالين وهتلر ومحمد نجيب وصدام حسين وغيرهم الكثيرين، أسماء رنانة وكم غفير لا حصر لهم. اللواء محمد نجيب والروحية: الدكتور علي راضي يقول: (ما كنت أتصور أن رجل حرب وسياسة هو اللواء أركان حرب محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر يكون له جانب آخر غير معروف وهو إيمانه التام بالروحية والأحلام وانتقال الأفكار وكل العلوم الباطنية). ( )

ويضيف قائلاً: (كان يوم 5 إبريل 1978 تمثل مرور عشرين سنة على تأسيس جمعية الأهرام الروحية فأقيم حفل ومعرض لهذه المناسبة وكان مجلس الإدارة قد اتخذ قرارًا سابقًا باختيار اللواء محمد نجيب رئيسًا فخريًا للجمعية، في ذلك الاجتماع ألقى سيادته كلمة كلها تواضع جاء فيها: (لقد كنت مؤمنًا بالروحية منذ صغري، وحدثت لي حوادث أكدت لي اعتقادي فيها، وأتمنى أن يوفقنا الله لأداء واجبنا نحو الإنسان، فالروحية هي السبيل لمكارم الأخلاق وأداء الواجب مجردًا من حب النفس وحب الظهور). ( )

النفخ في الأبواق:

الشيخ حسن البنا والشيخ طنطاوي جوهري والروحية:  يقول الدكتور علي عبد الجليل راضي: (كان رحمه الله شيخًا واسع الأفق، لا يعرف التعصب، يؤمن بالروحية كل الإيمان، وله مع الوسطاء تجارب وتذوق وأبحاث، وترك لنا كتبًا خالدة، مثل (الأرواح) و(براءة العباسة أخت هارون الرشيد).. إلخ.

في جولة من جولاتنا اصطحبني الأخ الفندي إلى دار بسيطة في سوق السلاح، وقال لي: (أن بها شخصًا متكلمًا يدعى حسن البنا. وكان يزوره في ذلك اليوم نفسه الشيخ (طنطاوي جوهري) إثر عودته من الحج. وكان يقال أن أفكاره هي أساس نشأة الإخوان المسلمين، لكن فضل هو بقاءه في الخلفية والناحية الفلسفية والروحية). ( )

حسن البنا

حسن البنا

وإن كان ما ذكره الدكتور علي راضي من اهتمام الشيخ حسن البنا بالروحية، وأن أفكار الشيخ طنطاوي جوهري (صاحب المعتقدات الروحية) هي أساس نشأة جماعة الإخوان المسلمين، فإن كان هذا صحيحًا فإنه قد يثر حفيظة الكثيرين، لكن البحث العلمي المحايد والنزيه يلزمنا بذكر الوقائع مهما بلغت فداحتها، ثم ليتم تفنيدها بعد ذلك، وعلى من يرى خلاف ذلك أن يقدم الدليل على ما يقول.

وإن تكتمنا على بعض الثغور قد يتيح الفرصة لأن يسيء البعض استغلالها، لذلك يجب على الأقل التعجيل بكشفها وبيانها حتى يتم توضيح ما قد يكتنفها من غموض وشبهات قد تبرأ ساحتهم من الاتصال بالجن، إن كان هناك شبهة قد تدرأ عن الرجل اهتمامه بالعلوم الروحية. فربما كان اهتمام الشيخ حسن البنا بها على غرار ما نحن بصدد من التعرف عليها، وبيانها وكشف حقيقتها، لكن القدر لم يسعفه لبيان ذلك، وليس من قبيل ممارسته استحضار الجن والقرائن، لكن لا بد من البحث عن مؤلفاته والتعرف على أراءه لنقف على حقيقة رأيه، والله أعلم.

طنطاوي جوهري

طنطاوي جوهري

ثم من هذا الشيخ طنطاوي جوهري؟ والذي يقال؛ أن أفكاره هي أساس نشأة الإخوان المسلمين! وعن مدى صلته بالعلوم الروحية يقول عنه دكتور السيد نصار: (مفكر وأديب ومفسر وفقيه مصري ولد سنة 1870 وتوفي سنة 1940 عمل بالتدريس وكان أستاذًا بدار العلوم ثم الجامعة المصرية الأهلية منذ إنشائها. وكان من أوائل المفكرين والباحثين الروحيين في الشرق وقد أخذ على عاتقه مهمة الجمع بين الآراء الدينية وبين حقائق العلم الروحي الحديث. وفي كتابه (الأرواح) وهو يعتبر من أمهات الكتب العربية في هذا الموضوع، حاول التوفيق بين الأبحاث الروحية والديانة الإسلامية ودلل على خلود الروح في القرآن الكريم والسنة.

وقد تناول في كتابه الظواهر الروحية والاتصال الروحي والتنويم المغناطيسي وأعلام هذا المذهب في الغرب وأشهر كتبهم كما أكد تأييده للظواهر الروحية الحديثة وانتصر لنتائجها. وكان الشيخ طنطاوي من أبرز أعضاء (دائرة القاهرة الروحية) وقارًا وعلمًا وتقوى. وقد ذكر الأستاذ أحمد فهمي أبو الخير في مجلة (عالم الروح) عدد مارس سنة 1956 أن صلة الشيخ طنطاوي جوهري بهم لم تنقطع بعد انتقاله إلى العالم الآخر. فقد كان يحضر في جلساتهم الروحية ويجيب على أسئلتهم كما كان يراه وسطاء الجلاء البصري ويحيونه، ويشهد أنه رآه بنفسه في حجرة التحضير رؤية خاطفة فإذا الشيخ المفقود موجود وإذا العقل الفياض هو العقل الفياض وإذا بعواطفه الخيرة متغلبة عليه، كما كان له مؤلفات أخرى في نفس الموضوع منها (أصل العالم) و(أين الإنسان) و(التاج المرصع بجواهر القرآن والعلوم) و(ميزان الجواهر في عجائب هذا الكون الباهر) و(تفسير الجواهر) (في خمسة وعشرين جزءا) وقد ترجمت يعض هذه الكتب إلى الإنجليزية والأمهرية والهندوسية والإندونيسية وغيرها). ( )

التقى الشيخ “طنطاوي جوهري” مع حسن البنا الذي عرض عليه – لفضله – أن يكون مرشداً للإخوان إلا أن الشيخ بتواضعه رفض ذلك وبايع حسن البنا وقد اختير الشيخ طنطاوي ليكون ممثلاً عن إخوان القاهرة في مجلس شورى الإخوان، والذي عُقد في الفترة من يوم السبت 11 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 16 مارس 1935م حتى يوم الاثنين 13 من ذي الحجة 1353هـ الموافق18مارس 1935م، وتولى رئاسة تحرير “صحيفة الإخوان المسلمين”، والتي صدر العدد الأول منها في 22 صفر 1352هـ الموافق 15 يونيو 1933م، وكان أول مقال فيها للشيخ بعنوان: “إلى القراء الكرام”.

يوسف وهبي والروحية: وذات يوم أخذت معي صديقي الدكتور فؤاد ويصا وتوجهنا لزيارته في منزله بشارع الهرم، في الطريق قال لي الدكتور وهو وسيط ومؤمن بنظرية العودة للتجسد أن لديه إلهامًا (بأن يوسف وهبي كان في حياة سابقة للمثل الأمريكي المشهور (كين) الذي كان أعظم ممثل العالم في وقته. فلما ذهبنا إليه وأخبره الدكتور فؤاد برأيه وافق عليه في الحال وقال أنه أيضًا يشعر بذلك.. وقد أدى خدمة جليلة للروحية حينما ظهر في التلفزيون المصري (1964) وتكلم عن علاجه الروحي ونقلت عنه ذلك في وسائل الإعلام في الشرق والغرب. إنه رجل صريح وجريء في الحق اقتنع بالروحية وشهد لها. فلماذا يكذبه الجاهلون؟.. ونجد انعكاسًا لتضارب الآراء تجاه تجربته الروحية فيما جاء في الأهرام بتاريخ 13/9/1957. (يحضر الآن الأرواح ويستعطفها ويلبي نداءها. إنه يتحدث عن كرامات الشيخ سليم الذي رآه في صباه والذي يستطيع أن يكشف الغيب ويحضر أمامه وهو في سوهاج بعض حلويات (جروبي) بغير حاجة إلى سفر ولا قطار.

إن يوسف يحفظ الآن أسماء عشرات كتب الروح والطالع ويتحدث حديث العالم المطلع المتخصص عن مؤلفيها وأحسن من ترجم بعضها. بل يؤمن بالعمليات الجراحية التي تجريها الروح دون أن يحس صاحبها ودون ألم ولا بنج. بل ويؤكد حديثه بما جاء في القرآن والإنجيل ورؤية البابا للمسيح منذ سنين وأنه شاهد الموائد التي تتحرك في الهواء وتهزها الأرواح). ( )

وقد أعظم الشيطان الفرية عندما تخير لدعوته السرية أبواقًا صداحة يسمع لهم فلا يرد عليهم، فراجت الفرية على من يجهلون ما يتم في الخفاء، ففي أكثر الأحيان سنجد أن علماء السوء والضلالة يلهجون بلسان الدين والدعوة، وقد تسربت المعتقدات السرية إليهم فيحركهم الشيطان من خفاء، وهذا على مستوى جميع الملل، وليس حكرًا على ملة بعينها. وسنكتشف أن الأسطوريين دائمًا ما يكونوا مقترنين برجال العلم والسياسة والسلطة والمال والأعمال والشهرة، بل وفي وأحيانًا تجدهم متكئين على الأرائك الفارهة في الصالونات الفخمة بين أهل الفن والشهرة، وسيدات المجتمعات الأنيقات، فمثل هؤلاء يوفرون لهم ما يكفيهم ويزيد من بحبوحة العيش، ويتيحون لهم الحماية ضد من تسول له أنفسه فضحهم وكشف خباياهم من أهل البصر والبصيرة، وكذلك للتكتم على فضائحهم وأعمالهم المشينة التي تتم من وراء ستار العلم والفضيلة، من إتيان طقوس السحر وموالاة الشيطان.

وها هو ستالين يختبر كفاءة ميسنغ، لمجرد أن يتأكد من قدراته الفائقة فقط، فلا يعنيه أن يجد تفسيرًا لسر هذه القدرة، فالغاية عنده تبرر الوسيلة، وبحسب ما سردت كل من شيلا ولين (أمر الدكتاتور كيسنغ بأن ينفذ اختبارًا مستحيلاً في الظاهر، إذ طلب إليه أن يقترف بقوة فكره وحدها سرقة في مصرف ويحصل على 100.000 روبل من شباك صندوق غوسبنك في موسكو، حيث ما كان أحد يعرفه. روى ميسنغ فيما بعد: (قدمت إلى الصندوق ورقة بيضاء أخذتها من دفتري).

وفتح ميسنغ بعد ذلك حقيبته اليدوية ووضعها على المنضدة. ثم أمر أمين الصندوق ذهنيًا بأن يسلمه المبلغ الضخم. نظر أمين الصندوق في الورقة، وفتح الصندوق، وعد للحال 100.000 روبل لميسنغ الذي كدس رزم الأوراق المالية في حقيبته ثم انصرف. ولحق بالموظفين الذين كان قد سماهما ستالين ليراقبا التجربة. وبعد أن شهدا أن هذه التجربة تمت حسب الأصول المطلوبة، قفل ميسنغ راجعًا إلى صندوق المصرف. ولما بدأ يخرج الأوراق المالية ويضعها على المنضدة، نظر إليه أمين الصندوق، ثم نظر في قطعة الورق البيضاء على مكتبه، وانهار على الأرض مصابًا بنوبة قلبية. (من حسن الحظ لم تكن مميتة)، كما قال ميسنغ .. سرد علينا علماء سوفيتيون يعرفون المتخاطر الشهير تفاصيل اختبار آخر قصره عليه ستالين. فقد أوجب على ميسنغ أن يدخل بلا إذن ولا جواز مرور إلى عزبة رئيس الدولة في كونتسيفو.

وكان هذا الطلب يعدل اليوم أن تطلب من أحدهم أن يحاول التسلل خفية إلى أقبية (فورت نوكس) لسرقة ذهب الولايات المتحدة. كان عدد كبير من الحرس يطوقون دارة ستالين الريفية. وكان فريق من الحراس الشخصيين يتولى حماية الدكتاتور. أما القائمون على خدمة البيت فكانوا جميعًا من رجال الشرطة المتنكرين. وبعد بضعة أيام، وفيما كان ستالين يعمل في عزبته جالسًا أمام طاولة عريضة مكتظة بوثائق رسمية، دلف رجل صغير القامة، أسود الشعر، إلى البيت من دون أن يسترعي انتباهًا خاصًا. فقد انحنى له حراس ستالين الشخصيون باحترام، بينما بادر الخدم إلى فتح الأبواب أمامه. اجتاز الرجل صفًا من الغرف، وكلها مفروشة على نحو متماثل من أريكة وسجادة وطاولة. وتوقف أمام الغرفة التي كان الذي ينظر إليه من نطاق الباب وولف ميسنغ. كيف أمكنه النجاح؟ يشرح ميسنغ فيقول: (أوحيت ذهنيًا للحراس وللخدم؛ إنني بريا، إنني بريا). كان لوريان بيريا، رئيس الشرطة السرية السوفياتية، من المترددين المألوفين على عزبة ستالين. وما كان ميسنغ، بشعره الأجعد، يشبهه من قريب أو بعيد. ومع ذلك، لم يكلف نفسه حتى عناء وضع نظارة أنفية فولاذية شبيهة بتلك التي يضعها بيريا. سرعان ما ذاع نبأ تجارب ستالين مع ميسنغ في أوساط الدوائر العليا للسياسية السوفيتية في موسكو. وقدر بعضهم أن ميسنغ أصبح رجلاً خطرًا، لكن ستالين بطبيعة الحال يحميه. وكانت النتيجة النهائية لتلك الاستخبارات أن تلقى ميسنغ من أعلى السلطات إذنًا بالقيام بجولات حرة عبر أرجاء الاتحاد السوفيتي قاطبة). ( )

فحل مشكلة السحرة والدجالين ليست في خرق حصونهم، ودك معاقلهم، فهناك من أصحاب المنافع والسلطة والنفوذ من يسخرونهم ويروجون لهم لدى علية القوم، حيث يتبادلون معهم المنافع المشتركة، فيحيطونهم بسياج حمايتهم ورعايتهم، ويتسترون على أباطيلهم، ليتم تخليق كائن خرافي جديد في أثر اختفاء آخر قديم، فإن لم يكن أصحاب المصالح من السحرة، فإنهم لا يعتمدون على رجل أسطوري واحد فقط، بل يعتمدون على تكوين فريق من السحرة من شتى بقاع الأرض، طائفة منهم منجمين، يسترقون السمع ويتنبئون بمجريات الأحداث لاتخاذ القرار الصائب، وأخرى في فرع التجسس والتصنت، يتتبعون أخبار أعداءهم ويقتفون أثرهم، وآخرون في فرع السحر والسيطرة على المسؤولين، فيتسلطون عليهم بالسحر لتسهيل مصالحهم الشخصية، وتمرير مخالفاتهم بدون رقابة، والبقاء للأقوى سحرًا، والأشد كفرًا.

هذا في مقابل التنكيل بالمعالج الشرعي، وتضييق الخناق عليه، ووصفه بالجهل والخبل، والتشكيك فيه، ورميه باعتناق الخرافات والخزعبلات، رغم امتلاكه لأسانيد شرعية تدعم مصداقيته. ولكنه تسلط الشيطان، والحرب الخفية لكبت الحق، وقمع حقيقة كل ما يتصل بأسرار عالم الجن والسحر، فدائمًا ما يتم إخفاءها، وفي أحسن الظروف يتم الإعلان عنها بصورة مشوهة تبعث على الازدراء والسخرية والاستخفاف بها، بما يسمح بمرورها دون الالتفات إلى خطورتها، ومضمون جوهرها المدمر.

الشيطان هو المستفيد الوحيد من رواج الأكذوبة:

جيم مارس يقول: (السير وينستون تشرشل نفسه.. كان ملحًا على أن السيطرة الخفية للحزب النازي يجب أن لا تكشف تحت أية ظروف، لعامة الناس، بحسب الكاتب تريفور رافينسكروفت، الذي زعم بأنه قد عمل (عن قرب) مع الدكتور وولتر جوهانسون شتاين المستشار الخاص لتشرشل؛ (إخفاق محاكمات نروبرغ لتعريف طبيعة الشر العامل وراء الواجهة الظاهرية للاشتراكية الوطنية أقنعه أن عقودًا ثلاثة أخرى يجب أن تمر قبل أن يتم وجود قراءة جماهيرية كافية لتفهم استهلال شعائر ممارسات السحر الأسود للنواة الداخلية للقيادة النازية. هذا التصريح المذهل تم دعمه من قبل إيري نيف، الذي كان واحدًا من المدعين العامين في قضية نوربرغ قبل الحرب، والذي قال: إن مسألة الممارسات السحرية والتنجيمية في نشاطات النازيين قد قرر قضائيًا بأنها أمر غير مقبول: وذلك لأن المحكمة كانت تخشى التورطات السيكولوجية والروحية في الأمم الغربية. ولقد اعتقدوا (أيضًا) أنه يمكن لمثل هذه المعتقدات، المعارضة تمامًا لعقلانية الجمهور، أن تستخدم لتعتلي فكرة الدفاع بشبهة الجنون بالنسبة إلى القادة النازيين.

يصف التاريخ أدولف هتلر بأنه شخصية مهيمنة في الحرب، وهكذا؛ فمن أجل فهم تورط المنظمات السرية، يجب على المرء أن يفهم هتلر وحزبه النازي. ولقد تم إنتاج الكثير من الكتب، والمقالات، وحتى البرامج التلفزيونية الخاصة التي تكشف بشكل موثق عن الصلات بين نازيي هتلر والمنظمات السرية، ولكن القليل منهم من بين أن هتلر كان واحدًا من مخلوقاتهم.

للفهم بشكل كامل لماذا تم خلق هتلر، بالإضافة إلى صلاتهم بالمخابرات العسكرية. كان نازيو أدولف هتلر أكثر من مجرد حركة سياسية. وجدوا أنفسهم يقودون حركة شبه دينية ولدت من منظمات سرية كانت أهدافها هي كتلك الموجودة في المستنيرين Illuminati  والماسونيين أو البنائون الأحرار Freemasonry  كانوا طائفة .. وكما في أية طائفة نموذجية، فإن أعداءها الرئيسيين كانت الطوائف الأخرى، بحسب ملاحظة الكاتب بيتر ليفيندا في كتاب مدروس جيدًا يدرس النازية والطوائف الغامضة. هتلر ذاته أكد هذا بقوله: إن أي شخص يفسر الاشتراكية الوطنية فقط باعتبارها حركة سياسية فإنه تقريبًا لا يعرف شيئًا عنها. إنها أكثر من دين؛ إنها العزم على خلق إنسان جديد.

أدولف هيتلر Adolf Hitler

أدولف هيتلر Adolf Hitler

نمت هذه الطائفة النازية من عدد من المنظمات المختلفة، عقائد لاهوتية، والأديان الحاضرة في ألمانيا، في نهاية الحرب العالمية الأولى، جميعها نشأت من الممارسات السرية للمجموعات الأقدم. مثل المستنيرين البافارية Illuminati، جيرمان اوردن، والماسونيين الأحرار، وفرسان التيتونيك). ( )

وإن خفاء هذه العلوم والتكتم عليها باعتبارها أسرارًا، من شأنه حصرها في متناول يد المستفيدون الوحيدين منها، وهم السحرة برتبهم ودرجاتهم المختلفة، هذا على اعتبار فائدتها من وجهة نظرهم، فهم يمدون أيديهم بالاستجداء من الشيطان كي يحقق لهم أهدافه لا أهدافهم كما يظنون، فوحدة هدفهم المشترك في حقيقتها تحمل كل الضرر، لأن السحر ضرر محض لا نفع فيه، وعلى هذا فهم يستغلون هذه العلوم السرية ضد مصالح البشرية، باعتبارهم رسل الشيطان، وأولياءه المفسدون في الأرض، فيثيرون الحروب والفتن والقلاقل في شتى بقاع الأرض، انظر إلى المجازر البشرية، وارتفاع نسب الطلاق والعنوسة وتأخر سن الزواج، وتفشي الفاحشة والشذوذ، وشيوع الربا، وانتشار البطالة، ناهيك عن انتشار المس والسحر، وظهور أمراض مستعصية عجز الأطباء عن تشخيصها قبل عجزهم عن علاجها، لذلك لا بد من كشف هذه الأسرار وفضحها، رغم فداحة الثمن الذي سوف يتحمله من يقدم على هذا، إلا أن يدعمه الله عز وجل بمدد من عنده.

طالما أن السحر من فعل الشيطان، إذًا فالسحر ماض بإنظار إبليس إلى يوم الوقت المعلوم، وعليه فإن الكرامات والمعجزات لن تنتهي في مقابل السحر، بل إني أجزم بأن المعجزات والخوارق أكثر مضيًا وثباتًا من السحر، لأن المعجزات من صنع الله سبحانه وتعالى، وهي باقية ودائمة بدوام الله تبارك وتعالى، فمن قال بأن زمن المعجزات قد انقضى، فقد قال بتعطيل صفات الله، أليس في خلق مولود كل يوم معجزة؟‍ أليس في إنبات كل حبة معجزة؟ إذًا فأين نحن من المعجزات التي نبأ بها النبي صلى الله عليه وسلم كمعجزة نزول المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام؟ وأين نحن من معجزة خروج الدابة؟ وأين نحن من معجزة طلوع الشمس من مغربها؟ وأين نحن من إعجاز القرآن الكريم الذي لم ينقطع إعجازه إلى يومنا؟

ولأن السحر فعل الشيطان، والمعجزة فعل الله، ولأن السحر لا يبطله إلا الله، لقوله تعالى: (قَالَ مُوسَى مَاجِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ) [يونس: 31]، إذًا فإبطال السحر يعد من الخوارق والمعجزات، التي لا يقدر على الإتيان بها إلا الله سبحانه وتعالى، إذًا فمعجزة إبطال السحر تدحض قوة كل أسرار السحرة، لذلك تخلى سحرة فرعون عن سحرهم، لما أدركوا أن هذه الأسرار تجردت من قيمتها أمام المعجزة، إذًا فالسحر لن يهزم على وجه الأرض إلا بإحياء نقيضه، ونقيض السحر هو الخوارق والمعجزات، والخوارق بحاجة إلى أولياء لله صالحين، مسلمين عالمين عاملين غير معصومين.

ولأن المشكلة غير قاصرة فقط على إبطال السحر، والتصدي لبعض الأفراد والجماعات من السحرة، فهذا لا يعني القضاء على السحر نهائيًا، بل إن المعضلة تكمن في قبول العقائد السحرية الباطلة وانتشارها، ومن ثم رسوخها في عقول الناس، وتداولها باعتبارها عادات وتقاليد مشروعة، والتي من شأنها إحياء السحر تلقائيًا، وتوسيع رقعة انتشاره، بمجرد غياب الوعي الديني. لذلك فبيان خصائص عالم الجن، وكشف أسرار السحر والسحرة، من خلال وضع مناهج شرعية للتعامل معهم، من شأنه الإخلال بسرية هذه الخصائص، ونشر الوعي القادر على التصدي لتيارات الدجل المتدفقة تباعًا، وهتك ستار الرجل الأسطورة، مما يكشف سوءته، في أي مكان، أو زمان قد يظهر فيه، وعلى قمة هؤلاء المسيح الدجال ملك اليهود ومعبودهم من دون الله، والمنتظر ظهوره بين الحين والآخر ليعيس في الأرض فسادًا.

فقد زخر القرآن الكريم والسنة المشرفة بكشف أصول أسرار عالم الجن والشياطين، وبينها باستفاضة يعجب لها أولوا الألباب، بل أقولها بملء فمي، وبكل ثقة مطلقة؛ أنهما المصدرين الوحيدين الموثقين، والأكثر إعلانًا وكشفًا لهذه الحقائق على الإطلاق، وبغزارة تثير الانتباه والدهشة. ولكن لا أحد منا يلتفت إلى ذلك، وهذا من عمل الشيطان، لصرفنا عن هذه الحقائق، وقد تنبه أهل الكتاب إلى هذا، من السحرة ورجال الدين منهم، ففزعوا إليهما ينهلون منهما بنهم، ويتم هذا من خلال جمعيات سرية، من مهماتها الأساسية البحث عن المعارف الغيبية، نظرًا لافتقار كتبهم لهذه الحقائق، فهم لا يملكون مصادر موثقة معلنة وغير سرية تكشف هذه الأسرار، فكتبهم رغم ورود ذكر الجن فيها إلا أنهم ينكرون وجودهم، وهذا بسبب ضحالة المعلومات المتضمنة عنهم بشكل بئيس.

هذا في الوقت الذي لم يسعى أحد إلى عصرنا في توضيحها وبيانها من واقع التجربة العملية الشرعية، بينما أهل الضلال من بني جلدتنا سعوا لبيانها ولكن في إطار السحر، كأمثال ابن سينا وابن عربي والسيوطي والرازي، وغيرهم الكثيرين، والذين تشهد عليهم مؤلفاتهم في السحر والروحية، ولكن بعد أن نسج الشيطان حبائله عليهم، فسعوا في الطريق الخاطئ، فبدلاً من الاستفادة منها في علاج الناس ومداواتهم، ولإضعاف تسلط الشيطان على بني الإنسان، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قبله سليمان عليه السلام، إذا بهم يتواصلون بها بعالم الجن وينشروا بها الأدواء والبلاء. إذًا فدراسة وكشف أسرار عالم الجن ليس بدعة محدثة، بل إن مشروعيتها ومصدر المعرفة الموثقة بها هو الكتاب والسنة، لذلك فمع شيوع السحر وانتشاره في العالم بأسره، صار حتمًا علينا اللجوء إلى الملاذ الآمن الذي نستمد منه الحصانة العقلية والمعنوية كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وللتخلص من نير الشيطان عن كاهلنا.

تم بحمد الله تعالى

Advertisements

اترك ردا وانتظر الموافقة بنشره

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s